إن حزن الأردنيين اليوم على شهداء كنيسة الحمود في الكرك الأبيّة لجرحٌ كبير وعميق، يتجاوز في مداه المآسي والحوادث الجسام التي عصفت بالوطن خلال العقود الأخيرة. وأكاد أجزم بلا ريب أن كل بيت أردني، من شمال الوطن إلى جنوبه ومن شرقه إلى غربه، يسكنه وجع ثقيل وأسىً دفين على أولئك الأبرياء الذين ارتقوا في بيت من بيوت الله آمنين، قبل أن تطالهم يد الإجرام الجبانة التي تجردت من كل معاني الحق والعدل والإنسانية؛ لتكشف عن عقول تلوثت بأفكار خبيثة فاسدة لا تخدم سوى أعداء الوطن والإنسانية.
إن هذا المصاب الجلل الذي ألمّ بإخوتنا المسيحيين في كنيسة الحمود أمرٌ يرفضه الأردنيون قاطبة ويستنكرونه بأشد العبارات؛ فهو ليس مجرد اعتداء غاشم، بل نيلٌ مستحيل من أبناء جلدتنا الشركاء الأصلاء في التاريخ والمصير، الذين ضربوا جذورهم في ثرى هذا الوطن منذ آلاف السنين، فكانوا وما زالوا بنياناً مرصوصاً وبناةً أوفياء لمجده ورفعته.
ولأن شيمة الأردنيين المروءة وأصلهم الشهامة، فهم يتألمون لمصاب أي فرد من أبنائهم كأنما أصابهم الوجع في سويداء قلوبهم، ولن يدعوا لأي حاقد مدسوس فرصة لتفريق جمعهم أو الطعن في نسيجهم الوطني المتين. لذلك هبّ الشرفاء على قلب رجل واحد يواسون أهالي الشهداء وأبناء الكرك الأوفياء، معلنين براءتهم المطلقة من الأفكار الضالة التي تتداعى بها فئات تتدثر بالإسلام العظيم، والإسلام ومقاصده السامية منها براء، ومستنكرين كل عمل إرهابي خسيس يزهق الأرواح البريئة.
وكان في طليعة الواصلين قائد البلاد، جلالة الملك عبدالله الثاني ابن الحسين، مواسياً ومطمئناً على الجرحى، وموعزاً بتقديم أقصى درجات العناية الطبية واستنفار كافة الجهود لمعالجتهم. ولأن الأردني لا يرضى بالضيم، فقد جاء الرد الملكي الحازم متوعداً الإرهابيين بالقصاص العادل والمباشر.
إن الأردنيين جميعاً يقفون اليوم صفاً واحداً لرفض هؤلاء المجرمين ولفظ أفكارهم الظلامية، متسلحين بيقين مطلق بقوة أجهزتنا الأمنية ومؤسساتنا العسكرية التي كانت وستبقى الدرع الحصين للوطن. وإن هذه الفاجعة، رغم قسوتها، لن تزيد بلدنا إلا قوةً ومنعة، ولن تزيد عزيمتنا إلا صلابة لمواجهة أعداء الحياة.
ويبقى التأكيد على أن الرهان اليوم يتجاوز القصاص العادل إلى بناء جدار حماية فكري ومجتمعي متين؛ فالوعي الوطني المتجذر في عقول أبنائنا، والمسؤولية الجماعية التي تتحملها المؤسسات التربوية والدينية والإعلامية، هما الخط الدفاعي الأول لتحصين الشباب ضد سموم الفكر المتطرف، ولردع كل محاولة تسعى لاختراق نسيجنا الاجتماعي الفريد.