هل سينتهي الإرهاب عند القبض على الإرهابيين؟

تاريخ النشر : السبت 11:55 24-10-2026
جلال برجس
جلال برجس

أنا مواطن أردني، من (مادبا)، مدينة يصلي كثير من مسلميها في مسجد اسمه (مسجد المسيح عيسى ابن مريم). مدينة يتناول عدد من صائميها المسلمين، في كل عام، طعام الإفطار في باحة الكنيسة، بعد نهار يمتنع فيه المسيحيون عن تناول ما يمكن أن يبدد حرمة الصيام، حتى إن بعضهم يصومون، ويفطرون مع أذان المغرب.

أنا ابن مدينة، حين تنتقل فيها إلى رحمة الله شخصية مسلمة بارزة، تُقرع أجراس الكنائس. تلك الكنائس التي دخلناها أطفالًا مدفوعين بالفضول، وكبارًا مواسين في الأتراح مرة، ومهنئين بالأفراح مرات أخرى. مدينة يرتفع على قمتها صليب الكنيسة إلى جوار هلال الجامع، بينما يحوم الحمام حولهما سفيرًا للسلام، وشاهدًا على زمن طويل من العيش المشترك الذي مرّت به حروب ومجاعات ونضالات وأحلام بغد أجمل. مدينة من نسائها من أرضعت يتيمًا مسلمًا، ومنهن من ربّت وليدًا مسيحيًا. نرقص معًا في أوقات الفرح، ونبكي معًا حين تدفعنا الدنيا إلى الحزن، ونهتف معًا لأجل البلاد، وضد مطامع الأعداء. وكلنا، في آخر الليل، قبيل النوم، نطلب من الله أن يأخذ بأيدينا إلى نهار عامر بالبركة.

لم نكن في يوم من الأيام بحاجة إلى أن نسأل بعضنا عن دينه قبل أن نتقاسم الخبز، أو نفتح أبواب البيوت، أو نمد أيدينا لمواساة جار أصابه مكروه. لقد كان وما يزال هذا العيش جزءًا من طبيعتنا، لا نلتفت إليه كثيرًا، لأننا ورثناه كما ورثنا أسماء شوارعنا وملامح مدينتنا وذاكرة أهلها.

في كثير من البلدان أتفاخر بأنني ابن مدينة تنتمي إلى بلاد لم تعرف في تاريخها الاجتماعي الطويل أن تكون العلاقة بين المسلم والمسيحي قائمة على العداء، بل على الجوار والمودة والمصير المشترك. تضيء على جبيني نجوم الغبطة حين أخبرهم أن هذه المدينة أخت الكرك والفحيص والحصن وعمّان، وسائر المدن الأردنية التي تعلّمت أن الاختلاف في العبادة لا يعني الاختلاف في الانتماء.

لكنني اليوم في غاية الحزن، بل يتلبسني الأسى. ليس فقط لأن ثلاثة إرهابيين عبثوا بحياتنا، في محاولة بائسة للنيل من هذا النسيج الإنساني، رغم الدم المراق وأرواح الشهداء الطاهرة، بل لأنني بتّ أكثر خوفًا على دفاتر أيامنا القادمة. خوف يأتي من سؤال ما يزال يتردد في مخيلتي منذ أن جاءني خبر الفاجعة: كم واحدًا بيننا يشبه هؤلاء الثلاثة الذين صوبوا فوهات بنادقهم إلى مصلين كانوا يشيّعون متوفًى رحل إلى جوار ربه؟

إنه سؤال موجع، لا لأنني أشك في الناس من حولي، بل لأن الإرهاب لا يولد فجأة، ولا يخرج من العدم. لا بد أن وراء كل عقل وصل إلى هذا الحد من الوحشية طريقًا طويلًا من الأفكار المشوهة، والكراهية التي نمت حتى حجبت عنه إنسانية الآخر.

وهذا يقودني إلى تساؤل آخر: من الذي عبث بعقول هؤلاء الشبان، فصوّر لهم أن الله سوف يرضى عن مسلم حين يقتل مسيحيًا بهذه الوحشية؟ من الذي أقنعهم بأن الطريق إلى الجنة يمر عبر دم إنسان بريء؟ ومن هذه الجهة التي تعتقد أنها بفعل قذر كهذا تستطيع العبث بمجتمع ظلّت الإنسانية، وستبقى، مظلته، رغم الإلحاح المتواصل على تمزيقها؟

كأي إنسان مؤمن بإنسانيته، ما زلت حزينًا ومصدومًا بالحادثة الإرهابية التي استهدفت مصلين في كنيسة في قرية حمود بمحافظة الكرك، إحدى محافظات الأردن. فعل إرهابي متطرف لا يمكن فصله عن خطاب تكفيري يسعى إلى تحويل الاختلاف الديني إلى ذريعة للقتل، وإلى إحداث شرخ في العيش الأردني المشترك، الذي ما يزال نموذجًا للتآخي والتسامح.

غير أن ما يقلقني، إلى جانب هذه الجريمة، هو ما يمكن أن يكون قد سبقها من صمت طويل على أفكار تنمو في العتمة. فالإرهابي الذي يحمل بندقيته اليوم كان قبل سنوات طفلًا يجلس في صف مدرسي، أو شابًا يتردد إلى مكان عبادة، أو فردًا في أسرة، أو وجهًا نعبر به في الشارع من دون أن نعرف ما الذي يجري في رأسه. وفي مكان ما من تلك الرحلة حدث خلل جعل إنسانًا يرى في قتل إنسان آخر عملًا يقرّبه من الله.

ومن هنا، فإنني أتطلع إلى الأيام التي سيتراجع فيها الحزن، ولو قليلًا، لنفكر بمن حولنا، وبالثغرات التي يمكن أن يعبر منها من يجنّد الآخرين، ويجعلهم يرون العالم من نافذة معتمة. ما نريده حين نصحو من أثر الفاجعة ألّا نغضب حين نقول إن القاتل قد يكون، في جانب من تكوينه، ضحية أيضًا، وإن القتيل ضحية جريمته. لكن الفارق كبير بين الضحيتين؛ فالقتيل بريء سُلبت منه حياته، أما القاتل فمسؤول عن جريمته، مهما تكن الأفكار التي استدرجته إليها، أو الظروف التي أسهمت في تشويه وعيه.

إن فهم الطريق الذي قاد القاتل إلى جريمته لا يعني تبريرها، ولا التخفيف من بشاعتها، بل يعني أن نبحث عما يمكن أن يمنع قاتلًا آخر من أن يتكوّن بيننا.

وحين نقتنع بهذا الأمر الموجع، علينا أن نواجه أنفسنا بأسئلة لا تقل وجعًا: لماذا يصبح الإنسان إرهابيًا؟ كيف يتحول إلى متطرف يرى في اغتيال الآخر انتصارًا، وفي إزهاق الروح عبادة؟ هل الخلل في ثقافتنا؟ في مجتمعنا؟ في سياقاتنا اليومية؟ في مناهجنا التعليمية؟ في منازلنا؟ أم في خطاب ديني يجري اقتطاعه من معناه الإنساني، ثم تقديمه إلى عقول لم تتعلم كيف تسأل وتشك وتفكر؟

علينا أن نمتلك الشجاعة الكافية لمواجهة هذه الأسئلة، وألّا نكتفي بإدانة الجريمة، أو الاحتفاء بالقبض على مرتكبيها. فالأجهزة الأمنية تستطيع أن توقف إرهابيًا، وأن تحبط مخططًا، وأن تحمي أرواحًا كثيرة، وهذا دور عظيم وضروري، لكنها لا تستطيع وحدها أن تقتلع فكرة استقرت في عقل إنسان، أو أن تبدد كراهية تربّت في داخله سنوات طويلة.

تلك مسؤولية تتجاوز الأمن إلى المدرسة والجامعة والأسرة والمؤسسة الدينية والثقافية والإعلامية. مسؤولية تبدأ من الطريقة التي نعلّم بها أبناءنا النظر إلى المختلف، ومن قدرتنا على أن نجعل التفكير أوسع من التلقين، والإنسان أكبر من الانتماءات الضيقة التي يراد لها أن تتحول إلى جدران تفصل بين الناس.

لقد عشنا في الأردن، زمنًا طويلًا ونحن نعرف أن المسلم والمسيحي لا يتقاسمان الأرض وحدها، بل يتقاسمان الذاكرة والمصير. وهذا الإرث الإنساني لا يكفي أن نتغنى به، بل علينا أن نحميه من الأفكار التي تتسلل إلى العقول، وتحاول أن تسرق من الإنسان قدرته على رؤية أخيه الإنسان.

لهذا أعود إلى السؤال الذي يؤرقني: هل سينتهي الإرهاب عند القبض على الإرهابيين؟

أخشى أن يكون الجواب لا، فالقبض على الإرهابي ينهي خطره المباشر، لكنه لا ينهي بالضرورة الفكرة التي صنعت منه قاتلًا. وما لم نذهب إلى تلك الفكرة، ونفكك مصادرها، ونغلق الطرق التي تعبر منها إلى عقول أبنائنا، فإننا سنظل نواجه نتائج الإرهاب، لا أسبابه.

إننا لا نريد أن نحمي حياتنا اليوم فحسب، بل أن نحمي دفاتر أيامنا القادمة، حتى لا يأتي صباح نكتشف فيه أن الحَمام الذي كان يحوم حول صليب الكنيسة وهلال الجامع قد غادر سماء مدينتنا، لأننا تأخرنا كثيرًا في حماية السلام الذي اعتدنا وجوده بيننا.

.alrai-epaper-widget{margin-top: 20px; max-width:250px}
Tweets by alrai
.alrai-facebook-embed{margin-top: 70px;}
.container .row .col-md-12:has(.alrai-section-last-widget) { flex-direction: column; } .alrai-section-last-widget { margin: 0 auto; position: relative; padding-top: 35px; width: 100%; } #widget_2097 .alrai-section-last-widget { padding-top: 35px; margin-top: 0; } .alrai-section-last-widget::after { position: absolute; content: url("https://alrai.com/alraijordan/uploads/global_files/section-page-faded-line.svg?v=1"); top: 0; transform: translateX(0); } .alrai-section-last-widget .full-col { overflow-x: auto; overflow-y: hidden; -webkit-overflow-scrolling: touch; width: 100%; } .alrai-section-last-widget .row-element { width: 100%; } .alrai-section-last-widget .content-wrapper { display: flex; flex-direction: row; flex-wrap: nowrap; align-items: stretch; width: max-content; min-width: 100%; gap: 30px; justify-content: center; padding-top: 30px; } .alrai-section-last-widget .item-row { flex: 0 0 auto; width: 200px; margin-right: 7px; display: flex; flex-direction: column; height: 195px; } .alrai-section-last-widget .row-element .item-row .img-ratio { padding-bottom: 100%; display: flex; } .alrai-section-last-widget .row-element .item-row .img-ratio img { border-radius: 50%; border: 2px solid #00a0e5; padding: 3px; } .alrai-section-last-widget .article-title { white-space: nowrap; overflow: hidden; text-overflow: ellipsis; display: block; } .alrai-section-last-widget .item-row .item-info a { color: #000; color: color(display-p3 0 0 0); text-align: center; font-size: 14px; font-style: normal; font-weight: 800; line-height: 20px; text-decoration: none; display: -webkit-box; -webkit-line-clamp: 3; -webkit-box-orient: vertical; overflow: hidden; white-space: normal; } .alrai-section-last-widget .full-col::-webkit-scrollbar { display: none; } @media screen and (min-width: 1200px) { .alrai-section-last-widget::after { transform: translateX(0); } } @media screen and (max-width: 768px) { .alrai-section-last-widget .row-element .content-wrapper { flex-direction: row !important; } .alrai-section-last-widget::after { transform: translateX(100%); right: 0; left: 0; } }
.death-statistics-marquee .article-title a, .death-statistics-marquee .title-widget-2 a { text-align: right; font-family: Cairo; font-style: normal; font-weight: 700; line-height: 25px; text-decoration: none; } .death-statistics-marquee .breaking-news-wrapper { width: 100%; display: flex; } .death-statistics-marquee .breaking-news { background-color: #7c0000; padding: 22px 17px 24px 18px; color: #fff; text-align: right; font-family: Cairo; font-size: 22px; font-weight: 700; line-height: 25px; } .death-statistics-marquee .breaking-news-content { background-color: #b90000; padding: 22px 18px 24px 21px; color: #fff; text-align: right; font-family: Cairo; font-size: 22px; font-weight: 700; line-height: 25px; width: 100%; position: relative; } .full-container .marquee-container-widget:not(.relative-widget) .wrapper-row { position: fixed; width: 100%; right: 0; bottom: 0; z-index: 100000; } .death-statistics-marquee .marquee-container-widget .title-widget-2 { width: 75px; background-color: #757575; color: #fff; height: 60px; display: flex; align-items: center; justify-content: center; } .death-statistics-marquee .title-widget-2 a { color: #fff; color: color(display-p3 1 1 1); font-size: 15px; padding: 16px 18px 16px 15px; display: block; } .death-statistics-marquee .content-row:not(.content-row-full) { width: calc(100% - 100px); background-color: #000; } .death-statistics-marquee .content-row marquee { direction: ltr; } .death-statistics-marquee .content-row .img-item { display: inline-flex; height: 60px; align-items: center; vertical-align: top; } .death-statistics-marquee .content-row .article-title { height: 60px; display: inline-flex; align-items: center; color: #fff; padding: 0 15px; direction: rtl; } .death-statistics-marquee .article-title a { color: #fff; color: color(display-p3 1 1 1); font-size: 17px; } .death-statistics-marquee .title-widget-2 { width: 100px; } #widget_1932 { position: static; bottom: 0; width: 100%; z-index: 1; } @media scren and (max-width:768px){ .death-statistics-marquee .breaking-news-content{ font-family: 'Cairo', sans-serif; } }