ليس هناك ما هو أكثر خسة من تحويل جنازة إلى مجزرة، ودار عبادة إلى ساحة للقتل، وما جرى في كنيسة حمود بالكرك ليس حادثا عابرا يمكن اختزاله في عدد الضحايا، ولا جريمة يجوز أن تمر كأنها تفصيل أمني، انها جريمة اغتيال وطن، فهي جريمة تضرب عمق المجتمع الأردني، وتستهدف، في دلالاتها احد أهم ركائز استقراره: وحدة أبنائه، مسلمين ومسيحيين، من يطلق النار على كنيسة لا يستهدف المسيحيين إنه يطلق النار على الأردن كله.
هذه الحقيقة ينبغي أن تُقال بلا مواربة، فالأردن وطن تشكلت هويته الوطنية عبر تاريخ طويل من الشراكة بين أبنائه، وفي الكرك تحديداً، حيث تتداخل العلاقات الاجتماعية والتاريخية بين المسلمين والمسيحيين، لذلك تبدو محاولة ضرب هذا النسيج أكثر قبحاً وخطورة.
ان من يعتقد أن الفتنة الطائفية يمكن أن تجد طريقها إلى الأردن بسهولة عليه أن يقرأ التاريخ جيداً فهذا الوطن بطبيعته المتسامحة والعيش المشترك بين ابنائه منذ الازل لم يكن يوما بمنأى عن محاولات اشعال الفتن وصناعة الاحتقان الديني وضرب بنية الوحدة الوطنية بالشعارات الاقليمية العفنة.
هذه الجريمة الارهابية وما سبقها من أعمال ارهابية استهدفت الوطن لم تكن مجرد وقائع أمنية منفصلة؛ فقد كشفت خطورة اللحظة التي يتحول فيها استثمار الدين إلى اعتداء على الناس ودور عبادتهم، ويصبح فيها الاختلاف مبررا للقتل وقتل من، قتل الوطن.
وقوع الجريمة لا يعني أن الفتنة انتصرت والاعداء حققوا اهدافهم، فالفتنة تبدأ عندما ينجح المجرمون في دفع الناس إلى الخوف من بعضهم البعض أو عندما تتحول الجريمة إلى ذريعة للتحريض والتعميم والانتقام.
لهذا، فإن السؤال الذي يفرض نفسه بعد جريمة «حمود» ليس فقط: من أطلق النار؟ بل أيضاً: ماذا أراد الارهابيون القتلة ؟ وهل كان هدفهم قتل أشخاص بعينهم، أم دفع المجتمع إلى فتنة واحتراب داخلي تحت عنوان طائفي؟
لا يجوز أن نسبق التحقيقات بتسمية جهات تقف وراء هذا العمل الخسيس، لكن ذلك لا يمنعنا من قراءة الأهداف المحتملة، فالجماعات التكفيرية التي تنظر إلى الآخر بوصفه عدواً بسبب معتقده، تجد في مثل هذه الجرائم وسيلة لترهيب المجتمع وضرب فكرة الدولة الجامعة، وإذا أثبت التحقيق أن الهجوم يحمل هذه الخلفية، فإننا نكون أمام اعتداء على مفهوم المواطنة ذاته والذي بلا شك تحركه اياد خارجية، فإضعاف الأردن من الداخل قد يخدم حسابات قوى خارجية باتت معروفة لا تريد لهذا الوطن أن يبقى مستقرا ومتماسكا في إقليم تتنازعه الحروب والمشاريع المتصارعة.
إن الرد الحقيقي على جريمة «حمود» ليس أن نخاف من بعضنا بعضاً، بل أن نرفض أن يصبح الخوف ديناً جديداً يفرضه القتلة على الأردنيين.
"حمود» ليست قضية كنيسة في الكرك فحسب؛ إنها اختبار لوعي الأردن وقدرته على حماية نسيجه الوطني، والتاريخ يمنحنا درساً واضحاً: الفتنة لا تنتصر بمجرد وقوع الجريمة، وإنما تنتصر عندما يصدق المجتمع رواية الكراهية، ويتخلى عن ذاكرته المشتركة، ويسمح للمجرمين بتحديد علاقات أبنائه ومصيرهم.
لن يكون الرد على جريمة «حمود» بأن يتراجع الأردنيون عن بعضهم بعضاً، بل أن يقتربوا أكثر، وأن يطالبوا بالحقيقة والعدالة، وأن يثبتوا أن هذا الوطن عصي على الفتن والارهاب.
فالأردن الذي صمد ونجح في صد الاعتداءات والمخططات السابقة هو اليوم اكثر ثقة بانه قادر على التقاط جرذان الارهاب ومحاسبتهم.