التمكين الرقمي

تاريخ النشر : الأربعاء 11:12 21-10-2026
د.أريج محمود ياسين

مع انطلاق العام الدراسي الأول للكلية التقنية المستحدثة في جامعة اليرموك، يتجدد النقاش حول دور التعليم التقني والتطبيقي في الحد من البطالة وتوسيع فرص الشباب في سوق العمل.

غير أن التوسع في التعليم التقني، على أهميته، يثير سؤالًا يتجاوز طبيعة التخصصات والمهارات المطلوبة: هل تكفي مواءمة مخرجات التعليم مع احتياجات سوق العمل لمعالجة البطالة وتحقيق النمو الاقتصادي؟

لا تستطيع الجامعات، مهما طورت مناهجها واستحدثت تخصصاتها، معالجة البطالة بمعزل عن اقتصاد قادر على استيعاب الخريجين. فتحسين كفاءة الخريج يعزز فرصه التنافسية، لكنه لا يخلق بالضرورة وظائف جديدة. كما أن احتياجات الشركات القائمة ليست مرادفة لاحتياجات الاقتصاد على المدى البعيد؛ فالطلب على المهارات قد يكون محدودًا أو مؤقتًا، ولا يعكس دائمًا فرص النمو المستقبلية.

ومن هنا، تبرز ضرورة الانتقال من مواءمة التعليم مع السوق القائم إلى التخطيط للسوق الذي نريد بناءه. فلا ينبغي أن يقتصر دور التعليم على الاستجابة لبنية اقتصادية محدودة، بل أن يسهم في تطويرها ورفع قدراتها الإنتاجية والتكنولوجية. فالمواءمة الحقيقية علاقة متبادلة يرتقي فيها التعليم بقدرات الاقتصاد، ويوفر الاقتصاد فرصًا لتوظيف المعرفة وتحويلها إلى قيمة.

ويقتضي ذلك الحفاظ على العمق العلمي والمرونة المهنية للبرامج الجامعية، مع تحديث محتواها باستمرار، وتلبية الاحتياجات التخصصية المستجدة عبر مسارات مرنة وشهادات مهنية وتدريب مستمر، بدل تحويل كل مهارة جديدة إلى درجة جامعية مستقلة. كما يتطلب تطوير الشراكة مع القطاع الخاص، بحيث تتجاوز تحديد المهارات المطلوبة إلى تقاسم مسؤوليات التدريب والتأهيل والبحث والتطوير، وتوفير بيانات موثوقة عن الاحتياجات الفعلية والمستقبلية للوظائف.

وفي هذا السياق، تبرز أهمية البناء على الجهود الوطنية القائمة لتطوير أنظمة معلومات سوق العمل واستشراف تحولاته، وتعزيز تكامل مصادر البيانات وشفافية منهجيات تحليلها، وربط بيانات الخريجين والتوظيف والاستثمار بالتطورات التكنولوجية. فالتعليم الأكاديمي والتطبيقي مساران متكاملان يحتاج الاقتصاد إلى مخرجاتهما من الباحثين والمهندسين والفنيين والتقنيين، لكن تحديد الأعداد والتخصصات المطلوبة ينبغي أن يستند إلى بيانات موثوقة وتوقعات مدروسة.

ومع اتساع تطبيقات الذكاء الاصطناعي، يكتسب هذا النقاش أهمية متزايدة. فلم يعد التحدي مقتصرًا على إكساب الأفراد المهارات الرقمية، بل أصبح مرتبطًا بقدرتهم على تحويلها إلى فرص عمل وزيادة في الإنتاجية والدخل. فقد يتقن خريج استخدام أدوات متقدمة في البرمجة أو التحليل أو التصميم دون أن يجد وظيفة تناسب مؤهلاته. وقد تنجح صاحبة مشروع صغير في تحسين إنتاجيتها باستخدام التقنيات الذكية، لكنها تفتقر إلى التمويل أو قنوات التسويق التي تتيح تحويل هذا التحسن إلى عائد مالي. وفي الحالتين، تتحقق القدرة التقنية بينما يظل أثرها الاقتصادي محدودا.

وهنا يكمن الفرق بين إتاحة المهارات وتحقيق التمكين الاقتصادي. فالتدريب ينبغي أن يكون بداية لمسار يربط اكتساب المعرفة بفرص تطبيقها والاستفادة من عوائدها، لا غاية قائمة بذاتها.

وعليه، لا ينبغي أن يُقاس نجاح مبادرات التمكين الرقمي بعدد المتدربين أو الشهادات الممنوحة وحدها، بل بما تحققه من نتائج اقتصادية فعلية. ويمكن، على سبيل المثال، تتبع أوضاع خريجي البرامج التقنية والتدريبية بعد ستة أشهر أو عام من إتمامها، لقياس تطور دخلهم ووضعهم الوظيفي وفرص تقدمهم المهني، ومدى إسهام التدريب في هذا التحسن مقارنة بأوضاعهم السابقة.

وتتيح هذه المؤشرات تقييم الجدوى الاقتصادية للبرامج وتوجيه الموارد نحو الأكثر أثرًا، دون تحميل الجامعات ومؤسسات التدريب وحدها مسؤولية التشغيل. فالتمكين الفعلي يتطلب ربط سياسات التعليم والتأهيل بسياسات الاستثمار والتنمية الصناعية، وتحفيز إنشاء المشاريع وتوسع الشركات القادرة على استيعاب الكفاءات، وتوفير التمويل والتسهيلات التي تساعد المشاريع الصغيرة على تبني التكنولوجيا والوصول إلى أسواق جديدة، محلية وعالمية.

وتتوزع هذه المسؤولية بين أطراف متعددة؛ فالمؤسسات التعليمية مطالبة بدمج مهارات الذكاء الاصطناعي في مختلف التخصصات، مع الحفاظ على التفكير النقدي والقدرة على حل المشكلات، وتوفير مسارات عملية تدعم ريادة الأعمال والتوظيف. أما الشركات، فلا يقتصر دورها على المطالبة بخريجين أكثر تأهيلًا، بل يشمل إعادة تصميم الوظائف للاستفادة من التكنولوجيا، والاستثمار في التعلم المستمر، واعتماد معايير عادلة للتقدم المهني. وفي المقابل، تقع على عاتق السياسات العامة مسؤولية تهيئة البيئة الاستثمارية والإنتاجية التي تحول هذه القدرات إلى نشاط اقتصادي وفرص عمل مستدامة.

ومع تنامي استخدام الذكاء الاصطناعي داخل المؤسسات، يبرز سؤال لا يقل أهمية عن توفير المهارات والوظائف: من يستفيد من مكاسب الإنتاجية التي تحققها التكنولوجيا؟ وهل تنعكس هذه المكاسب على أجور العاملين وفرص تقدمهم المهني، أم تقتصر على خفض التكاليف وزيادة أرباح الشركات؟ إن عدالة توزيع العوائد ليست مسألة منفصلة عن التمكين الرقمي، بل معيار أساسي للحكم على مدى تحوله إلى تمكين اقتصادي واجتماعي شامل.

فالتمكين الرقمي في عصر الذكاء الاصطناعي لا يكتمل بإتاحة المعرفة والأدوات، وإنما بقدرة الأفراد على توظيفها في إنتاج القيمة والحصول على نصيب عادل من عوائدها. وعندما يقاس نجاح التمكين بالتحسن الملموس في دخل الفرد وفرصه الاقتصادية، ويتكامل تطوير المهارات مع الاستثمار والإنتاج والتشغيل، يتحول التقدم التكنولوجي من إمكانات واعدة إلى تنمية اقتصادية واجتماعية حقيقية.

.alrai-epaper-widget{margin-top: 20px; max-width:250px}
Tweets by alrai
.alrai-facebook-embed{margin-top: 70px;}
.container .row .col-md-12:has(.alrai-section-last-widget) { flex-direction: column; } .alrai-section-last-widget { margin: 0 auto; position: relative; padding-top: 35px; width: 100%; } #widget_2097 .alrai-section-last-widget { padding-top: 35px; margin-top: 0; } .alrai-section-last-widget::after { position: absolute; content: url("https://alrai.com/alraijordan/uploads/global_files/section-page-faded-line.svg?v=1"); top: 0; transform: translateX(0); } .alrai-section-last-widget .full-col { overflow-x: auto; overflow-y: hidden; -webkit-overflow-scrolling: touch; width: 100%; } .alrai-section-last-widget .row-element { width: 100%; } .alrai-section-last-widget .content-wrapper { display: flex; flex-direction: row; flex-wrap: nowrap; align-items: stretch; width: max-content; min-width: 100%; gap: 30px; justify-content: center; padding-top: 30px; } .alrai-section-last-widget .item-row { flex: 0 0 auto; width: 200px; margin-right: 7px; display: flex; flex-direction: column; height: 195px; } .alrai-section-last-widget .row-element .item-row .img-ratio { padding-bottom: 100%; display: flex; } .alrai-section-last-widget .row-element .item-row .img-ratio img { border-radius: 50%; border: 2px solid #00a0e5; padding: 3px; } .alrai-section-last-widget .article-title { white-space: nowrap; overflow: hidden; text-overflow: ellipsis; display: block; } .alrai-section-last-widget .item-row .item-info a { color: #000; color: color(display-p3 0 0 0); text-align: center; font-size: 14px; font-style: normal; font-weight: 800; line-height: 20px; text-decoration: none; display: -webkit-box; -webkit-line-clamp: 3; -webkit-box-orient: vertical; overflow: hidden; white-space: normal; } .alrai-section-last-widget .full-col::-webkit-scrollbar { display: none; } @media screen and (min-width: 1200px) { .alrai-section-last-widget::after { transform: translateX(0); } } @media screen and (max-width: 768px) { .alrai-section-last-widget .row-element .content-wrapper { flex-direction: row !important; } .alrai-section-last-widget::after { transform: translateX(100%); right: 0; left: 0; } }
.death-statistics-marquee .article-title a, .death-statistics-marquee .title-widget-2 a { text-align: right; font-family: Cairo; font-style: normal; font-weight: 700; line-height: 25px; text-decoration: none; } .death-statistics-marquee .breaking-news-wrapper { width: 100%; display: flex; } .death-statistics-marquee .breaking-news { background-color: #7c0000; padding: 22px 17px 24px 18px; color: #fff; text-align: right; font-family: Cairo; font-size: 22px; font-weight: 700; line-height: 25px; } .death-statistics-marquee .breaking-news-content { background-color: #b90000; padding: 22px 18px 24px 21px; color: #fff; text-align: right; font-family: Cairo; font-size: 22px; font-weight: 700; line-height: 25px; width: 100%; position: relative; } .full-container .marquee-container-widget:not(.relative-widget) .wrapper-row { position: fixed; width: 100%; right: 0; bottom: 0; z-index: 100000; } .death-statistics-marquee .marquee-container-widget .title-widget-2 { width: 75px; background-color: #757575; color: #fff; height: 60px; display: flex; align-items: center; justify-content: center; } .death-statistics-marquee .title-widget-2 a { color: #fff; color: color(display-p3 1 1 1); font-size: 15px; padding: 16px 18px 16px 15px; display: block; } .death-statistics-marquee .content-row:not(.content-row-full) { width: calc(100% - 100px); background-color: #000; } .death-statistics-marquee .content-row marquee { direction: ltr; } .death-statistics-marquee .content-row .img-item { display: inline-flex; height: 60px; align-items: center; vertical-align: top; } .death-statistics-marquee .content-row .article-title { height: 60px; display: inline-flex; align-items: center; color: #fff; padding: 0 15px; direction: rtl; } .death-statistics-marquee .article-title a { color: #fff; color: color(display-p3 1 1 1); font-size: 17px; } .death-statistics-marquee .title-widget-2 { width: 100px; } #widget_1932 { position: static; bottom: 0; width: 100%; z-index: 1; } @media scren and (max-width:768px){ .death-statistics-marquee .breaking-news-content{ font-family: 'Cairo', sans-serif; } }