في فرنسا، تتقاطع الأزمة المالية والاحتجاجات الاجتماعية مع صعود اليمين هناك، فيما يُنظر إلى الانتخابات المقبلة كاختبارٍ لمستقبل الجمهورية ودورها الأوروبي، وفي إيطاليا، تكشف انتقادات رئيسة الوزراء للتفاهم الأمريكي الروسي بشأن إمدادات الديزل حجم الأزمة في السياسة الخارجية؛ فواشنطن التي يفترض أنها حليف استراتيجي تتخذ اليوم قرارات تتعارض مع الحسابات الأوروبية بشكل واضح، بينما تستثمر موسكو كل شيء لإلحاق الضرر بالغرب بأكمله.
أوروبا تتبنى دائمًا مثالية مبدئية في السياسة الدولية، لذلك فهي عالقة اليوم ولا تستطيع مواكبة تبدل المتغيرات بالسرعة الكافية وأدوات واقعية تحمي مصالحها. والمبدأ، مهما كانت قيمته ورمزيته، قد لا يكفي وحده لمواجهة ديناميكية العالم الجديدة، ولا لإقناع الشعوب بتحمل أعباء حرب استنزاف، ولا لضمان أمن الطاقة والاقتصاد.
بالمحصلة، فهذه البيئة الأنسب التي يجد فيها اليمين الشعبوي فرصته، فهو على سبيل المثال يرى أن الهجرة هي التي تضرب الأمن والهوية وتُسبب التراجع الاقتصادي، ليتحول كل هذا إلى مشروع سياسي قوي بدأ بالوصول إلى السلطة في عدة دول. فمن حق مواطني هذه الدول أن يحافظوا على دولهم وعدم تسليم مصيرها لأن هناك تشريعا مبنيا على مبادئ حقوقية عامة تتمسك به حكوماتهم.
إن استمرار هذا السيناريو قد يصل إلى ما يشبه انهيار الدومينو: صعود لليمين في دولة، ثم انتقال العدوى الانتخابية إلى أخرى، وصولًا إلى برلمانات وحكومات تعيد تعريف علاقة أوروبا بالآخر.
تواجه أوروبا أيضًا سياسة خارجية أمريكية غير قابلة للتوقع، إذ تُقدِّم الأخيرة منظورها المصالحي اللحظي على حساب تماسك التحالفات، لتجد أوروبا نفسها أمام سؤال صعب: كيف تعتمد أمنيًا على حليف قد يتخذ قرارات تتعارض مع مصالحها الاستراتيجية؟ والمثال صفقة الديزل الأخيرة بين روسيا والولايات المتحدة.
ومع ذلك، لا يجوز لنا في منطقتنا أن ننظر إلى ضعف أوروبا بوصفه شأنًا داخليًا بعيدًا عنا، فالمواقف الأوروبية الأخيرة من قضايا الشرق الأوسط، رغم تفاوتها، أسهمت في إبقاء مساحة للضغط القانوني والدبلوماسي على إسرائيل مثلًا، ووفرت قدرًا من التوازن قد نخسره.
نحن بحاجة إلى أوروبا قوية، لا لأنها بديل عن واشنطن أو خصم لموسكو، بل لأنها تستطيع أن تكون قطبًا مستقلًا، وممثلًا للخطاب العقلاني الرصين في عالم تتقدم فيه القوة على القانون بشكل فج.
أوروبا اليوم تحتاج إلى انتفاضة في سياستها الخارجية، قوامها واقعية الدولة لا وردية الشعارات، ومطالبة بإدراك أن التحالفات لا تُدار بالارتكاز على قدسية حقوق الأفراد فقط، وأن المصلحة الجمعية للشعوب هي التي توفر الرفاه للأفراد وليس العكس..
هذه القارة لها دور مؤثر في العالم كما هو معروف، ولا بد أولًا أن تستعيد القدرة على التأثير، وإلا فقد نشهد اختلالًا كبيرًا في الموازين، لا بل قد نجد أنفسنا أمام خيارات صعبة يومًا ما خصوصًا في منطقة تعتبر مسرحًا لعمليات القوى الدولية.