ويُعد مجلس حقوق الإنسان إحدى الهيئات التابعة للأمم المتحدة والمعنية بحماية الحقوق والحريات الأساسية، حيث أنشئ عام 2006 بموجب قرار الجمعية العامة رقم "60/251"، ليحل محل لجنة حقوق الإنسان السابقة. ويتخذ المجلس من مدينة جنيف مقرا له، ويتألف من 47 دولة تنتخبها الجمعية العامة للأمم المتحدة بالاقتراع السري وبالأغلبية المطلقة لأعضائها، مع مراعاة التوزيع الجغرافي العادل بين المجموعات الإقليمية، وذلك لمدة ثلاث سنوات قابلة للتجديد وفق القواعد المنظمة لعضويته.
ويتولى المجلس مجموعة من الاختصاصات الأممية المهمة، من أبرزها مناقشة أوضاع حقوق الإنسان في مختلف دول العالم، وإصدار القرارات المتعلقة بحمايتها، وإنشاء لجان التحقيق وبعثات تقصي الحقائق عند الضرورة. كما يضطلع بدور رئيسي في آلية الاستعراض الدوري الشامل، التي تخضع بموجبها جميع الدول الأعضاء في الأمم المتحدة لمراجعة دورية لأوضاع حقوق الإنسان لديها، وذلك بهدف تقييم التقدم المحرز وتقديم التوصيات الرامية إلى تطوير التشريعات والممارسات الوطنية ذات الصلة.
وفي ضوء هذه الاختصاصات، تبرز أهمية عضوية الأردن في المجلس، لما تتيحه من فرص للمشاركة في مناقشة قضايا حقوق الإنسان الدولية، والتصويت على القرارات والتوصيات ذات الصلة. وتبرز القيمة السياسية لهذه العضوية بصورة خاصة في ضوء المواقف الأردنية الثابتة تجاه القضية الفلسطينية، حيث توفر للمملكة منبرا دوليا إضافيا للدفاع عن الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني، وفي مقدمتها حقه في تقرير المصير وإقامة دولته المستقلة، وحماية المدنيين، والمطالبة باحترام قواعد القانون الدولي الإنساني.
ولا تقتصر آثار هذه العضوية على الصعيد الدولي، وإنما تمتد إلى المستوى الوطني، حيث تشكل فرصة لتعزيز مسيرة حقوق الإنسان في الأردن، والبناء على الإنجازات التي تحققت في هذا المجال، من خلال مواصلة تطوير التشريعات الوطنية وتعزيز الضمانات القانونية لحماية الحقوق والحريات التي كفلها الدستور الأردني، وبخاصة مبدأ المساواة أمام القانون، وحرية الرأي والتعبير، وكفالة الحقوق السياسية والاقتصادية والاجتماعية.
وفي إطار تعزيز هذه الجهود الوطنية، يمكن للأردن الاستفادة من عضويته في المجلس للاطلاع على التجارب الدولية والممارسات الفضلى في مجال حماية حقوق الإنسان، وتوظيفها في تطوير السياسات والممارسات الوطنية ذات الصلة. كما يمكن تعزيز التعاون مع الهيئات الوطنية ومؤسسات المجتمع المدني لنشر الوعي المجتمعي بالحقوق والواجبات، وترسيخ ثقافة احترام الحقوق والحريات وسيادة القانون.
ولترجمة هذه الفرص إلى نتائج عملية، تبرز الحاجة إلى وضع خطة عمل للسنوات الثلاث المقبلة، تقوم على التنسيق بين وزارة الخارجية وشؤون المغتربين والجهات المعنية في رئاسة الوزراء، وبالتعاون مع المركز الوطني لحقوق الإنسان. وتتضمن هذه الخطة تحديد أولويات المشاركة الأردنية في أعمال المجلس، وتنسيق المواقف والمبادرات التي تتقدم بها المملكة، ومتابعة القرارات والتوصيات الصادرة عنه، بما يعزز فاعلية المشاركة الأردنية وتحقيق الأهداف المرجوة منها.
وفي المحصلة، فإن انتخاب الأردن عضوا في مجلس حقوق الإنسان يمثل إنجازا دبلوماسيا مهما، وفرصة وطنية ينبغي استثمارها على النحو الأمثل خلال السنوات الثلاث المقبلة. فالقيمة الحقيقية لهذه العضوية لا تقاس بمجرد المشاركة في أعمال المجلس، وإنما بمدى قدرة الأردن على توظيفها في خدمة قضايا حقوق الإنسان على المستوى الدولي، والاستفادة منها في مواصلة تطوير المنظومة الوطنية لحماية الحقوق والحريات، بما يعزز التكامل بين الدور الأردني الخارجي والجهود الداخلية الرامية إلى صون الكرامة الإنسانية وترسيخ احترام حقوق الإنسان في المملكة.
* أستاذ القانون الدستوري في كلية الحقوق في الجامعة الأردنية