لا يمتلك الأردن خيار النأي بالنفس أو الكمون الاستراتيجي بسبب حساسية وفعالية الموقع الجيوسياسي، فهو في بؤرة التأثر ومجبر بناء على هذا القدر على التأثير في مجريات الأحداث مهما كانت كبيرة وتفوق حجمه في ميزان القوى العسكرية والديمغرافية والجغرافية، لكن فهمه أنه مضطر للتفاعل والتعامل مع كثير من صدامات وصراعات الإقليم سياسيا ودبلوماسيا وأحيانا عسكريا وأمنيا إذا اضطر إلى ذلك، يجعل هذا الفهم منه في حالة من اليقظة والفعالية العالية سياسيا وأمنيا، وهي تحديات ليست جديدة لكنها أصبحت في ظل الواقع الجديد للشرق الأوسط ذات تهديدات متعاظمة.
البؤر الساخنة حد الصدام المسلح في غزة والضفة الغربية وفي جنوب لبنان وجبل الشيخ في الغرب والشمال الغربي، وتمدد الوجود العسكري الإسرائيلي في حوض اليرموك السوري وما يشكله من خطر أمني وعسكري ومائي، بالإضافة إلى المناطق الرخوة في الجنوب السوري مع تنامي عمليات تهريب الأسلحة والمخدرات، كما أن وجود ميليشيات عراقية خارج سيطرة الحكومة العراقية كلها عوامل تسهم في زيادة حدة اليقظة الأردنية، وتدفعها لتفعيل قواعد الاشتباك حتى خارج الحدود لوأد الخطر على أرضه، وهذا كله لا يمكن فصله عن مجريات الحرب على إيران، وما تقوم به إيران من محاولات يائسة في إيذاء الأردن وإقحامه في أتون هذه الحرب التي لا تتوقف رغم الهدوء الخادع.
هل يمتلك الأردن خيارات بناء مقاربة إقليمية جديدة في ظل حالة العمى الشرق أوسطي الحالي؟ نجد أن هيئة الأمم ومجلس الأمن بلا أثر دولي مؤثر، كما أن جامعة الدول العربية قد أصيبت بالعجز الكامل بما في ذلك البعد السياسي والدبلوماسي، وحتى خليجيا فقد مجلس التعاون الخليجي فعاليته المؤثرة في مجريات الأحداث الأخيرة رغم تماسك بنيته، ومؤخرا ظهرت أحلاف جديدة منها دولي متعلق بحماية الملاحة في البحر الأحمر ومنها إقليمي أمني – عسكري لكن لم تحقق هذه الأحلاف فعلا مؤثرا على الأرض، مع أن الأحداث في اليمن والاعتداءات السافرة على السعودية وضرب مطارات مدنية وأهداف مدنية أخرى مثل المدارس والمساجد، تستوجب تفعيلا مباشرا لبعض هذه الاتفاقيات، إلا أننا لم نلمس فعالية مجدية لها حتى اللحظة.
يبدو في ظل هذا السياق، مع انشغال دول مثل لبنان وسوريا والعراق في مشاكلهم الداخلية وتحدياتهم الخارجية، والكمون الذي تمارسه مصر، فإن خيارات بناء مقاربة جديدة للأردن في الإقليم تبدو شائكة وغير متاحة حاليا، مما يجعل خيار الانفتاح العام المتزن، وبناء القدرات الذاتية وتحصين الدولة وتدعيم مؤسساتها، ومؤازرة مواقف وتحركات جلالة الملك عالميا، وتعميق الوعي بالواقع الجديد لدى النخب وصولا إلى بناء جبهة وعي وطني عامة أكثر صلابة هي من أهم الخيارات المتاحة حاليا.