وكانت قوة المبادرة في بساطتها: لم يقف المشاركون ليذيبوا الفوارق بين عقائدهم، ولم يؤدّوا طقسًا دينيًا واحدًا، بل صلّى كلّ منهم بحسب إيمانه، والتقوا في صمت يحترم ضمير الآخر. هكذا وُلدت "روح أسيزي"، لا بوصفها تسوية لاهوتية، بل التزام إنساني مشترك.
وفي الرابع والعشرين من كانون الثاني 2002، عاد البابا نفسه إلى أسيزي، داعيًا إلى الصلاة مجددًا وسط توترات عالمية متصاعدة، أملًا في تجنيب البشرية حروبًا جديدة. لكن آذار 2003 حمل الحرب على العراق، في مفارقة مؤلمة بين نداءات السلام وقرارات الحرب. ثم واصل البابا بندكتس السادس عشر هذه المسيرة في الذكرى الخامسة والعشرين عام 2011، وتبعه البابا فرنسيس في الذكرى الثلاثين عام 2016، مؤكدين أن الحوار ليس ترفًا، بل واجب أخلاقي.
واليوم يقترب الموعد الأربعون للقاء أسيزي، متزامنًا مع مرور ثمانمئة عام على وفاة القديس فرنسيس، ذلك الرجل الذي جعل من الأخوّة والسلام أسلوب حياة. وقد أعلن البابا لاون الرابع عشر نيّته المشاركة في إحياء الذكرى. ونرفع صلواتنا إلى الله تعالى من أجل شفائه من الوعكة الصحية التي ألمّت به، راجين ألّا تعوق رسالته أو زياراته المرتقبة، سواء داخل إيطاليا أو خارجها. ومن بين المحطات التي طُرحت لزياراته الأوروغواي والأرجنتين والبيرو، البلد الذي خدم فيه مرسلًا وأسقفًا، فضلًا عن تولّيه سابقًا الرئاسة العامة للرهبنة الأغسطينية.
ولأسيزي مكانة خاصة في الذاكرة الأردنية أيضًا. ففي عام 2019 نال جلالة الملك عبدالله الثاني"مصباح السلام"، تكريمًا لجهوده في الحوار بين الأديان وتعزيز التعايش. إنه تكريم يلتقي مع رسالة الأردن في حماية المقدسات الإسلامية والمسيحية في القدس والدفاع عن ثقافة الاحترام المتبادل.
بعد أربعة عقود، هل أصبح العالم أكثر سلامًا؟ تقدّمت البشرية تقنيًا، لكنها لم تتقدّم أخلاقيًا بالوتيرة نفسها. فما زالت الحروب تقتلع البشر من بيوتهم، وتستغل بعض الأصوات الدين لتأجيج الخصومات بدل تضميد الجراح. وفي أرضنا المقدسة تحديدًا، لا يكفي إسكات المدافع؛ فسلام بلا عدالة، وبلا حقوق مصونة وكرامة محترمة، يبقى هدنة قابلة للانكسار.
وما أحوج منطقتنا إلى هذا الدرس اليوم. فالمسيحيون والمسلمون في الشرق ليسوا ضيوفًا بعضهم عند بعض، بل شركاء في تاريخ واحد ومستقبل واحد. وحين تتحول المقدسات إلى أسباب للتنازع، تصبح مسؤولية القادة الدينيين مضاعفة: أن يحموا قدسيتها من خطاب الكراهية، ويطالبوا بحقوق الإنسان بعيدًا عن توظيف الدين سياسيًا.
لهذا، ليست "روح أسيزي" صورة تذكارية لقادة يصلّون معًا، بل امتحان مستمر لصدق رسالتهم: هل تتحول الصلاة إلى التزام، والحوار إلى شراكة، والإيمان إلى خدمة الإنسان؟
قبل أربعين عامًا ارتفعت من أسيزي صلاة من أجل السلام. واليوم ما زالت السماء تسمع، لكن الأرض تنتظر. فالسلام نعمة نطلبها من الله، ومسؤولية علينا أن ننهض بها.