تعرض لجنة السينما في مؤسسة عبد الحميد شومان، غداً الثلاثاء، الفيلم الألماني الجورجي المشترك «عائلتي السعيدة» (2017)، للمخرجة الجورجية نانا إيكيتيمشفيلي والمخرج الألماني سيمون غروس، وذلك عند الساعة السادسة والنصف مساءً، في قاعة السينما بمقر المؤسسة في جبل عمّان.
ويتناول الفيلم، الذي حصد عدداً من الجوائز في مهرجانات دولية، قضية المرأة وحقها في الاستقلال واختيار نمط الحياة الذي يناسبها، من خلال قصة إنسانية تسلط الضوء على العلاقة بين الفرد والأسرة، والصراع بين الرغبات الشخصية والتقاليد الاجتماعية الراسخة.
وتتمحور أحداث الفيلم حول مانانا، وهي معلمة أدب تبلغ من العمر 52 عاماً، تقرر مغادرة منزل العائلة والانتقال إلى شقة مستقلة، في خطوة تبدو مفاجئة لأفراد أسرتها الذين اعتادوا وجودها بينهم، بوصفها زوجة وأماً تتحمل مسؤولياتها العائلية من دون أن تلتفت كثيراً إلى احتياجاتها الخاصة.
وتعيش مانانا في شقة ضيقة تجمع زوجها ووالديها وابنها الشاب وصديقته الحامل، إلى جانب ابنتها وزوجها، في مساحة مزدحمة تتداخل فيها تفاصيل الحياة اليومية، وتضيق فيها حدود الخصوصية الشخصية. ورغم ما يرافق هذا النمط من العيش من توتر ومشاحنات عابرة، يبدو أفراد الأسرة متكيفين مع واقعهم، إلى أن تعلن مانانا رغبتها في الانفصال عن هذا المحيط والعيش بمفردها.
وتتزامن هذه التحولات مع الاحتفال بعيد ميلادها الثاني والخمسين، الذي يتحول إلى مناسبة تكشف شعورها بالعزلة وسط أفراد العائلة والأقارب. فبينما يرغب زوجها في توسيع دائرة المدعوين للاحتفال، تفضل مانانا لقاءً عائلياً محدوداً، قبل أن تختار الابتعاد عن ضجيج الحاضرين والجلوس وحدها في الشرفة، في مشهد يعكس المسافة النفسية التي تفصلها عن محيطها.
ويثير قرارها الانتقال إلى منزل مستقل سلسلة من التساؤلات لدى أفراد الأسرة والأقارب والمعارف؛ إذ يحاول الجميع معرفة الأسباب التي دفعتها إلى اتخاذ هذه الخطوة، ويبحثون عن حادثة أو خلاف يمكن أن يفسر موقفها، فيما تؤكد مانانا أنها لم تتعرض للإساءة من أي فرد من عائلتها، وترفض تقديم تبريرات إضافية أو التراجع عن قرارها.
ولا يقدم الفيلم سبباً مباشراً لتمرد مانانا على حياتها السابقة، بقدر ما يوحي بأن قرارها جاء نتيجة تراكمات سنوات طويلة من الروتين والتنازلات الصامتة، التي دفعتها أخيراً إلى البحث عن مساحة خاصة تستعيد فيها ذاتها وتعيد اكتشاف احتياجاتها بعيداً عن الأدوار التي فرضتها عليها الحياة الأسرية.
وفي موازاة حكاية مانانا، يقدم العمل مقارنة بين جيلها والأجيال الشابة التي بدأت تتعامل مع العلاقات الإنسانية والروابط الأسرية من منظور مختلف، بعيداً عن المفاهيم التقليدية التي تجعل استمرار العلاقة غاية بحد ذاته، بصرف النظر عن رغبات أطرافها.
ويبرز ذلك في مشهد يجمع مانانا بإحدى طالباتها، التي تفسر غيابها عن الدراسة بانشغالها بإجراءات الطلاق من زوجها، موضحة أن قرار الانفصال لم يكن نتيجة خلاف محدد، وإنما لاختلاف رغباتهما وتطلعاتهما إلى الحياة. وتختصر الطالبة موقفها بالتأكيد على أن معرفة الإنسان لما يريده تمثل الخطوة الأولى نحو تحقيقه.
ولا تتوقف دلالات الفيلم عند مسألة الاستقلال الفردي، بل تمتد إلى تعقيدات العلاقات الإنسانية وما تتطلبه من تفهم وتسامح وقدرة على تجاوز أخطاء الماضي. وتكتشف مانانا، خلال لقاء مع صديقات قديمات، أن زوجها أقام في السابق علاقة سرية مع امرأة أخرى، وأنجب منها ابناً. لكنها لا تسمح لهذه الحقيقة بأن تتحول إلى سبب إضافي للصراع، إذ تزور المرأة لاحقاً وتلتقي بابنها، في معالجة تبتعد عن الأحكام المباشرة وتترك مساحة للتأمل في طبيعة العلاقات الزوجية والإنسانية.
وفي أحد أكثر مشاهد الفيلم دلالة، يتعرض زوج مانانا لاعتداء من ثلاثة رجال في الحي الذي تسكن فيه، بعدما اعتبروا أنفسهم مسؤولين عن حمايتها من زيارات الرجال الغرباء، بناءً على تكليف من أحد أشقائها. ويكشف هذا الموقف عن حضور الرقابة الاجتماعية في حياة المرأة، حتى بعد اتخاذها قراراً بالاستقلال عن أسرتها، ويطرح تساؤلات حول حدود الوصاية التي يمارسها المجتمع على خياراتها الشخصية.
ومن خلال هذه التفاصيل، يطرح «عائلتي السعيدة» سؤالاً محورياً حول قدرة الفرد، والمرأة على وجه الخصوص، على مواجهة الأعراف والتقاليد التي تحكم حياته، ومدى حقه في اتخاذ قراراته الخاصة بعيداً عن الضغوط الاجتماعية وتوقعات المحيطين به.
ويتميز الفيلم بمزجه بين الجدية والسخرية في تناول مفارقات الحياة اليومية، مستفيداً من تقاليد السينما الجورجية في تصوير الواقع بتعقيداته الإنسانية والاجتماعية، من دون الوقوع في المباشرة أو تقديم إجابات نهائية عن الأسئلة التي يثيرها.