ما الذي تغير في معرض عمان للكتاب ..؟؟
طوى معرض عمان الدولي للكتاب عامه الخامس والعشرين، وسط انطباع عام أن الدورة الحالية جاءت أفضل من سابقاتها من حيث زيارات الجمهور وحركة الشراء. لكن الأمر يجب ألاّ يظل دائرا في سياق التكهنات، وعلى الجهات المنظمة دراسة المسألة، والتعرف على الأمور التي ساهمت برفع نسب النجاح والإقبال، فالهدف الأول لأي معرض كتاب هو جذب الجمهور.
ولكي تكون معرفتنا واضحة، لا بد من توفر أرقام عدد الزوار، وتوزيعهم بحسب الأيام والساعات، وحجم المبيعات مقارنة بالدورات السابقة، والكتب الأكثر إقبالا، والفئات العمرية للزوار، ونسبة الزيارات العائلية، وحجم مشاركة المدارس والجامعات، والفعاليات التي جذبت جمهورا أكبر من غيرها.
هذه البيانات يمكن أن تكشف لنا أكثر بكثير مما تقوله الملاحظات العامة، وقد تكشف، مثلا، أن جزءا كبيرا من زيادة الإقبال جاء نتيجة عامل محدد يمكن تعزيزه في الدورات المقبلة، أو أن بعض الإجراءات التنظيمية كان لها أثر كبير في تجربة الزائر.
الناس لا يذهبون إلى معرض الكتاب لشراء الكتب فقط، وهذه حقيقة اختبرتها شخصيا في مشاركات عديدة بمعارض كتب مختلفة، خصوصا معرض القاهرة الدولي للكتاب. من يتابع حركة الجمهور هناك يلاحظ أن جزءا كبيرا من الزوار يأتي للمعرض كرحلة عائلية تشتمل الفرجة وشراء الكتب وحضور الفعاليات، ويتابع الأطفال الأنشطة المخصصة لهم، ثم تجلس العائلة لتناول الطعام أو الاستراحة قبل أن تستأنف جولتها.
هذه السمة واحدة من أسرار القوة الجماهيرية لمعرض القاهرة، فالكتاب موجود في قلب التجربة، لكنه ليس النشاط الوحيد فيها. الذهاب للمعرض نفسه يتحول لحدث ينتظره الناس، ولنوع من الترفيه الثقافي الذي لا يفصل المعرفة عن المتعة.
كلما وفرنا أسبابا أكثر للعائلة كي تأتي للمعرض، وتمضي فيه وقتا أطول، ارتفعت فرص اقترابها من الكتاب وشرائه. الأمر لا يتعلق بتحويل المعرض لمهرجان ترفيهي، وإنما بفهم أن الفعل الثقافي نفسه يحتاج إلى بيئة مريحة وجاذبة. يمكن الانتقال تدريجيا بمعرض عمان من مفهوم «سوق الكتاب» لمفهوم «تجربة الكتاب» الذي يصنع عالما من الأنشطة والتفاعلات التي تجعل زيارة المعرض حدثا قائما بذاته.
هذا يقود مباشرة لمسألة المكان والخدمات، إذ ينبغي تسهيل الوصول إليه، وتوفير المواصلات العامة، ومواقف السيارات، وتسهيل حركة كبار السن والأشخاص ذوي الإعاقة، فهي عناصر تؤثر في قرار العائلة بالذهاب.
يمكن التفكير، مثلا، في توفير خطوط نقل خاصة من نقاط رئيسية في عمان، ومن المحافظات في أيام محددة، بالتعاون مع الجهات المعنية. كما ينبغي التعامل مع مواقف السيارات وإدارة حركة المركبات بجدية، وتخفيف الازدحام المروري على المداخل.
الأمر نفسه ينطبق على التصميم الداخلي وتوزيع الأجنحة، فمن المهم أن تكون هناك خرائط واضحة وكبيرة، والتعرف على أمكنة دور النشر بدون الاضطرار للسؤال عنها. يمكن التفكير في شاشات بحث إلكترونية موزعة بأنحاء المعرض، أو من خلال تطبيق أو منصة إلكترونية للمعرض تضم قاعدة بيانات المشاركين.
أماكن الاستراحة داخل المعرض لا تقل أهمية، فإذا أردنا من الأسرة تمضية ساعات داخل المعرض، فعلينا توفير ما يجعل ذلك ممكنا من مقاعد كافية، وأماكن للراحة، وخيارات مناسبة للطعام والشراب، ومرافق جيدة ونظيفة، ومساحات يمكن للعائلة أن تستعيد فيها نشاطها قبل مواصلة جولتها.
أما البرنامج الثقافي المصاحب، فهو يحتاج بدوره إلى مراجعة مستمرة. في معارض الكتب العربية عموما، غالبا ما يبقى جمهور بعض الندوات محدودا، رغم دخول الآلاف إلى المعرض. يمكن تطوير الأنشطة بجعلها أكثر حيوية، وتنظيم لقاءات مباشرة بين الكتاب والقراء، ونواد للقراءة، وجلسات يشارك فيها الشباب، ومساحات مفتوحة للحوار لا تتطلب دائما منصة رسمية ومتحدثين يجلسون خلف طاولة.
الأطفال واليافعون، ينبغي التعامل معهم باعتبارهم جمهورا رئيسيا، وليسوا مجرد مرافقين لأسرهم، فإذا أردنا بناء جمهور معرض الكتاب بعد عشر سنوات، فعلينا أن نبدأ بمن يزورونه اليوم من الأطفال واليافعين. علينا إنشاء برنامج متكامل لهذه الفئات، يشتمل على مختبرات كتابة وقراءة، وتجارب علمية مرتبطة بالكتب، ولقاءات مع المؤلفين والرسامين، ومسابقات بحث داخل المعرض.
كما يمكن تطوير العلاقة مع المدارس بحيث تصبح الزيارة نفسها نشاطا تربويا يبدأ قبل المعرض، فيختار الطالب كتابا يريد البحث عنه، أو ناشرا وكاتبا يريد التعرف إليهما، ليعود للمدرسة وفي يده حصيلة محددة.
هناك مؤسسات ثقافية ومكتبات عامة وخاصة ونواد للقراءة تمتلك خبرات متراكمة، وعلاقات مباشرة مع الجمهور، ويمكن لها أن تكون شريكا فعليا في التخطيط للأنشطة وتنفيذها والترويج لها. هذه الجهات قادرة على الوصول إلى شرائح قد لا تصل إليها الحملات الإعلانية التقليدية، إضافة إلى أن بناء شبكة من الشركاء الثقافيين في عمان والمحافظات، سيوفر جهودا إضافية تعمل مع المعرض طوال العام، وتساهم في توسيع حضوره المجتمعي.
من المهم التفكير في المعرض بوصفه حدثا وطنيا، وليس نشاطا ثقافيا يتركز جمهوره في العاصمة. وهذا يتطلب خطة تسويق تبدأ قبل موعده بأشهر، وتخاطب سكان المحافظات عبر مؤسساتهم المحلية، من جامعات ومدارس ومكتبات ومراكز ثقافية وبلديات. يمكن لهذه الشراكات أن تثمر زيارات منظمة، وبرامج خاصة بالمجموعات الطلابية ونوادي القراءة، وربما لقاءات تمهيدية مع الكتاب والناشرين في المحافظات تسبق افتتاح المعرض.
لكن نجاح هذه الجهود يظل مرتبطا بإمكانية الوصول إلى المعرض، فلا يكفي إقناع الناس بأهمية زيارته إذا كانت المواصلات صعبة أو مكلفة. لذلك ينبغي أن تسير حملات التسويق بالتوازي مع ترتيبات عملية للنقل، سواء عبر رحلات منظمة بالتعاون مع الجامعات والبلديات والمؤسسات الثقافية، أو توفير وسائل نقل بأسعار تشجيعية في أيام محددة.
في الجانب الآخر هناك الأسعار، وهي أحد المحددات الأساسية للشراء. يمكن التفكير مستقبلا في يوم للخصومات، أو مبادرات مشتركة مع الناشرين، أو قسائم للطلبة، وحزم كتب بأسعار تشجيعية، ومسابقات تمنح الفائزين رصيدا لشراء الكتب. كل دينار يوجه إلى شراء كتاب داخل المعرض يذهب في النهاية إلى صناعة النشر والقراءة معا.
لكن واحدة من أهم الخطوات التي يمكن اتخاذها بعد هذه الدورة تكون بتصميم مجموعات من الأسئلة، للجمهور والناشرين، عن أسباب الزيارة أو المشاركة، وتفضيلاتهم والتسهيلات أو التحديات التي واجهوها. الإجابات يمكن أن تمنح إدارة المعرض خريطة أكثر دقة من عشرات الاجتماعات والتقديرات الشخصية.
ومن الأسئلة التي تستحق اهتماما خاصا هي أماكن قدوم الزوار، ونسبة القادمين من عمان مقارنة بالمحافظات، وتغير النسب من دورة إلى أخرى، لمعرفة المحافظات التي تحتاج إلى جهود إضافية في التسويق وتسهيل الوصول.
من المهم، كذلك، قياس تكرار الزيارة ومتوسط الوقت الذي يمضيه الزائر داخل المعرض، لأن هذه المؤشرات تساعد في فهم طبيعة علاقته بالحدث، ومدى نجاح البرامج والخدمات في تشجيعه على العودة والبقاء.
ولا تكتمل الصورة باستطلاع آراء من حضروا فقط، إذ ينبغي البحث أيضا في أسباب غياب من لم يزوروا المعرض، سواء كانت مرتبطة بالموقع أو المواصلات أو الأسعار، أو بعدم معرفتهم الكافية بالمعرض وبرنامجه.
الناشر كذلك ينبغي أن يتم سؤاله عن جميع الجوانب التنظيمية ذات الصلة، والتعرف على تقييماتهم للمعرض من حيث المبيعات، وتكاليف المشاركة، وفرص الوصول إلى جمهور جديد، بما يساعد على تطوير تجربة تحقق الفائدة للقارئ والناشر معا
صدور تقرير عن المعرض بعد كل دورة، يقدم مؤشرات قابلة للمقارنة سنويا، وسيكون قادرا على صناعة ذاكرة رقمية للمعرض، ويجعل قرارات تطويره قائمة على المعرفة المتراكمة.
وثمة فكرة أخرى تستحق التفكير، وهي ألا يعيش المعرض عشرة أيام فقط في السنة. يمكن أن تكون له هوية حاضرة طوال العام، من خلال منصات رقمية، والإعلان عن الإصدارات، واستضافة حوارات شهرية مع الكتاب والناشرين، وإطلاق قوائم قراءة، والتفاعل مع المدارس والجامعات والمكتبات ونوادي القراءة. وحين تنطلق الدورة التالية يبدأ باستقبال جمهور ظل على اتصال به طوال العام.
بهذه الطريقة، يبني المعرض حالة من الانتظار حوله، ليصبح موعدا ينتظره الناس، تماما كما يحدث في المعارض الكبيرة التي استطاعت عبر سنوات طويلة أن تدخل في روزنامة المدينة وحياة سكانها.
نجاح الدورة الحالية خبر جيد للثقافة وصناعة الكتاب، لكنه يصبح أكثر أهمية إذا تعاملنا معه كمادة للدراسة. علينا أن نعرف تحديدا ما الذي تغير، وأن نفصل بين العوامل العابرة وتلك التي صنعت الفرق فعلا. طموحنا ينبغي أن يكون أكبر من زيادة أعداد الزوار، بأن نصل إلى اللحظة التي تصبح فيها زيارة المعرض تقليدا سنويا للعائلة الأردنية، وموعدا ينتظره الأطفال والشباب والآباء. عندها يصبح شراء الكتاب نتيجة طبيعية لتجربة أكبر منه، وتصبح القراءة مرتبطة في ذاكرة الطفل والشاب بيوم جميل عاشه مع أسرته.