مصطفى عوف.. رحلة إنقاذ من البحر إلى الجراحة

تاريخ النشر : الأحد 11:30 11-10-2026
د. سامر عبدالهادي

لم تكن قصة الشاب المصري مصطفى عوف مجرد حالة طبية معقدة، وإنما رحلة إنسانية بدأت بحادث بحري في خليج العقبة، ومرت بساعات صعبة من الإنقاذ والبحث والنقل، وانتهت بتدخل جراحي دقيق استمر أكثر من إحدى عشرة ساعة، في محاولة لإعادة زراعة ساقه المبتورة ومنحه فرصة جديدة لاستعادة حياته الطبيعية. وهي تجربة تكشف قيمة التكامل بين الجهود الميدانية والخبرات الطبية، وتؤكد أن إنقاذ الإنسان مسؤولية تبدأ منذ اللحظة الأولى للحادث وتستمر خلال جميع مراحل العلاج والتعافي.

كان مصطفى، البالغ من العمر 39 عاما، يسبح في مياه خليج العقبة عندما تعرض لحادث قارب أدى إلى بتر ساقه. وفي تلك اللحظات الحرجة، تركزت الأولوية على إنقاذ حياته والتعامل مع إصاباته ونزفه، فيما أصر، رغم الألم الشديد، على استعادة ساقه. وقد استجاب غواصو الدفاع المدني لنداء الواجب، وواصلوا البحث عن الطرف المبتور حتى تمكنوا من انتشاله بعد ساعتين من العمل في ظروف ميدانية صعبة، بما أتاح فرصة مهمة أمام الفريق الطبي لمحاولة إعادة زراعته.

وتبرز هذه المرحلة أهمية جهود الإنقاذ في تحديد مسار العلاج، فالتعامل السريع مع المصاب والطرف المبتور، والمحافظة عليه وفق الإجراءات الطبية المناسبة، عوامل مؤثرة في فرص نجاح التدخل الجراحي. وقد أثبتت هذه الواقعة أن العمل الطبي يبدأ فعليا قبل وصول المريض إلى المستشفى، وأن كل حلقة في سلسلة الإنقاذ تحمل مسؤولية قد تؤثر في النتيجة النهائية.

بعد انتشال الساق، نُقل مصطفى إلى المستشفى لتلقي الإسعافات الأولية والتعامل مع الإصابة والطرف المبتور تمهيدا لنقله إلى عمان، حيث كانت حالته تستدعي تدخلا متخصصا يجمع بين جراحة العظام والأوعية الدموية والتعامل مع الأعصاب والعضلات والأنسجة المتضررة. وفي هذه المرحلة، اكتسب التنسيق بين الجهات المعنية أهمية كبيرة، لضمان وصول المصاب والطرف المبتور إلى الفريق الطبي القادر على تقييم الحالة واتخاذ القرار المناسب في الوقت الملائم.

وعند وصول مصطفى إلى مستشفى عبد الهادي، كان الفريق الطبي أمام تحد جراحي بالغ التعقيد، يتطلب خبرات متخصصة وتنسيقا دقيقا بين مختلف التخصصات. وشارك في العملية الدكتور مالك الغنيمات، استشاري جراحة العظام، والدكتور جان الشيشاني، استشاري جراحة الأوعية الدموية، والدكتور مهند جالوخ، إلى جانب الكوادر التمريضية وكوادر التخدير بإشراف الدكتور محمد صالح، والعاملين في غرف العمليات والرعاية اللاحقة.

استغرقت العملية من الساعة الحادية عشرة ليلا حتى العاشرة من صباح اليوم التالي، أي أكثر من إحدى عشرة ساعة من العمل المتواصل والدقيق. وخلال هذه الساعات، انصب الجهد على التعامل مع الإصابة وفق متطلباتها الجراحية، بما يشمل تثبيت العظام، وإصلاح الأوعية الدموية، والتعامل مع الأنسجة المتضررة، والعمل على استعادة تدفق الدم إلى الطرف، مع مراعاة طبيعة الإصابة والتحديات المرتبطة بها.

إن إعادة زراعة ساق مبتورة من العمليات الدقيقة التي تتطلب تقييما شاملا لحالة الأنسجة والأوعية الدموية والأعصاب، وتتأثر نتائجها بعوامل عدة، منها طبيعة الإصابة والمدة التي ينقطع خلالها تدفق الدم ومدى الضرر الذي تعرضت له الأنسجة. كما أن نجاح العملية من الناحية الجراحية يمثل مرحلة مهمة، فيما يحتاج الحكم على النتيجة النهائية إلى متابعة طبية مستمرة ومراقبة حيوية الطرف والاستجابة للعلاج، والتعامل مع المضاعفات المحتملة، ثم الانتقال إلى التأهيل واستعادة الوظائف قدر الإمكان.

ومن هذا المنطلق، فإن مسؤوليتنا تجاه مصطفى تستمر خلال مراحل الرعاية اللاحقة، انطلاقا من الحرص على سلامته وتوفير أفضل الفرص الممكنة لتعافيه. فالنتائج النهائية لمثل هذه العمليات تحتاج إلى الوقت والمتابعة المتخصصة، وتختلف من حالة إلى أخرى بحسب طبيعة الإصابة والاستجابة للعلاج.

وقد كشفت هذه التجربة عن أهمية تكامل الكفاءات الأردنية، بدءا من غواصي الدفاع المدني وفرق الإسعاف، مرورا بالكوادر التي تعاملت مع الحالة في مراحلها الأولى، وصولا إلى الأطباء والجراحين والتمريض والتخدير. كما تؤكد قيمة الخبرات التي راكمها الأطباء خلال سنوات العمل في الخدمات الطبية الملكية وغيرها من المؤسسات والمواقع الطبية، وأهمية استمرار الاستثمار في التدريب والتجهيزات والتخصصات الدقيقة وتبادل الخبرات.

إن قوة القطاع الصحي تقوم على منظومة متكاملة من الكفاءات والإمكانات والتنسيق والالتزام بالمعايير المهنية. ومن المهم الاستفادة من هذه التجربة في توثيق الحالات المعقدة ونتائجها، وتعزيز البحث العلمي، وتطوير آليات الاستجابة والتعاون بين مؤسسات الإنقاذ والقطاع الصحي. أما أي حديث عن ترتيب عالمي محدد للعملية، فيحتاج إلى توثيق علمي مستقل ومراجعة دقيقة للحالات المنشورة، بما يضمن دقة التقييم ومصداقيته.

ويحمل الجانب الإنساني في هذه القصة أهمية خاصة، فمصطفى إنسان يحتاج إلى الرعاية والاهتمام، وقد وصل إلى مرحلة العلاج من دون وجود أفراد أسرته معه. وقد استدعت ظروفه تقديم العناية الطبية والإنسانية التي تحفظ كرامته وتصون حقه في العلاج، تأكيدا أن الرسالة الطبية تقوم على المسؤولية المهنية والتضامن الإنساني، بصرف النظر عن الجنسية أو الظروف الشخصية.

كما تمنح هذه التجربة فرصة لتعزيز مكانة الأردن في الرعاية الصحية والسياحة العلاجية، من خلال تطوير جودة الخدمات، ودعم الكفاءات المتخصصة، والاهتمام بالنتائج الطبية القابلة للمتابعة والتقييم. فبناء منظومة صحية قادرة على التعامل مع الحالات المعقدة بصورة مستمرة يتطلب عملا مؤسسيا طويل الأمد، وتطويرا متواصلا في التدريب والإمكانات والتنسيق.

من أعماق خليج العقبة إلى غرفة العمليات في عمان، تختصر قصة مصطفى عوف رحلة تكاتفت فيها جهود الإنقاذ والخبرة الطبية والإرادة الإنسانية. وهي تذكرنا بأن وراء كل حالة طبية إنسانا له أسرة وأحلام ومستقبل، وأن قيمة الإنجاز تكمن في العمل المسؤول الذي يمنحه فرصة جديدة للحياة والتعافي، وفي استمرار الرعاية حتى تتضح النتائج النهائية.

.alrai-epaper-widget{margin-top: 20px; max-width:250px}
Tweets by alrai
.alrai-facebook-embed{margin-top: 70px;}
.container .row .col-md-12:has(.alrai-section-last-widget) { flex-direction: column; } .alrai-section-last-widget { margin: 0 auto; position: relative; padding-top: 35px; width: 100%; } #widget_2097 .alrai-section-last-widget { padding-top: 35px; margin-top: 0; } .alrai-section-last-widget::after { position: absolute; content: url("https://alrai.com/alraijordan/uploads/global_files/section-page-faded-line.svg?v=1"); top: 0; transform: translateX(0); } .alrai-section-last-widget .full-col { overflow-x: auto; overflow-y: hidden; -webkit-overflow-scrolling: touch; width: 100%; } .alrai-section-last-widget .row-element { width: 100%; } .alrai-section-last-widget .content-wrapper { display: flex; flex-direction: row; flex-wrap: nowrap; align-items: stretch; width: max-content; min-width: 100%; gap: 30px; justify-content: center; padding-top: 30px; } .alrai-section-last-widget .item-row { flex: 0 0 auto; width: 200px; margin-right: 7px; display: flex; flex-direction: column; height: 195px; } .alrai-section-last-widget .row-element .item-row .img-ratio { padding-bottom: 100%; display: flex; } .alrai-section-last-widget .row-element .item-row .img-ratio img { border-radius: 50%; border: 2px solid #00a0e5; padding: 3px; } .alrai-section-last-widget .article-title { white-space: nowrap; overflow: hidden; text-overflow: ellipsis; display: block; } .alrai-section-last-widget .item-row .item-info a { color: #000; color: color(display-p3 0 0 0); text-align: center; font-size: 14px; font-style: normal; font-weight: 800; line-height: 20px; text-decoration: none; display: -webkit-box; -webkit-line-clamp: 3; -webkit-box-orient: vertical; overflow: hidden; white-space: normal; } .alrai-section-last-widget .full-col::-webkit-scrollbar { display: none; } @media screen and (min-width: 1200px) { .alrai-section-last-widget::after { transform: translateX(0); } } @media screen and (max-width: 768px) { .alrai-section-last-widget .row-element .content-wrapper { flex-direction: row !important; } .alrai-section-last-widget::after { transform: translateX(100%); right: 0; left: 0; } }
.death-statistics-marquee .article-title a, .death-statistics-marquee .title-widget-2 a { text-align: right; font-family: Cairo; font-style: normal; font-weight: 700; line-height: 25px; text-decoration: none; } .death-statistics-marquee .breaking-news-wrapper { width: 100%; display: flex; } .death-statistics-marquee .breaking-news { background-color: #7c0000; padding: 22px 17px 24px 18px; color: #fff; text-align: right; font-family: Cairo; font-size: 22px; font-weight: 700; line-height: 25px; } .death-statistics-marquee .breaking-news-content { background-color: #b90000; padding: 22px 18px 24px 21px; color: #fff; text-align: right; font-family: Cairo; font-size: 22px; font-weight: 700; line-height: 25px; width: 100%; position: relative; } .full-container .marquee-container-widget:not(.relative-widget) .wrapper-row { position: fixed; width: 100%; right: 0; bottom: 0; z-index: 100000; } .death-statistics-marquee .marquee-container-widget .title-widget-2 { width: 75px; background-color: #757575; color: #fff; height: 60px; display: flex; align-items: center; justify-content: center; } .death-statistics-marquee .title-widget-2 a { color: #fff; color: color(display-p3 1 1 1); font-size: 15px; padding: 16px 18px 16px 15px; display: block; } .death-statistics-marquee .content-row:not(.content-row-full) { width: calc(100% - 100px); background-color: #000; } .death-statistics-marquee .content-row marquee { direction: ltr; } .death-statistics-marquee .content-row .img-item { display: inline-flex; height: 60px; align-items: center; vertical-align: top; } .death-statistics-marquee .content-row .article-title { height: 60px; display: inline-flex; align-items: center; color: #fff; padding: 0 15px; direction: rtl; } .death-statistics-marquee .article-title a { color: #fff; color: color(display-p3 1 1 1); font-size: 17px; } .death-statistics-marquee .title-widget-2 { width: 100px; } #widget_1932 { position: static; bottom: 0; width: 100%; z-index: 1; } @media scren and (max-width:768px){ .death-statistics-marquee .breaking-news-content{ font-family: 'Cairo', sans-serif; } }