ويكتسب القرار أهمية إضافية لكونه يستجيب لمطلب قديم طالما نادت به الصحف، تمثل في وضع أسس واضحة وملزمة لتوزيع الإعلانات الحكومية، تحقق الإنصاف بين المؤسسات الصحفية، وتضمن توزيع هذا المورد وفق معايير محددة. ومن هنا، فإن استجابة الحكومة لهذا المطلب تسجل لها، وتعكس إدراكا لأهمية معالجة التحديات التي تواجه الصحافة الورقية، وتوفير بيئة مؤسسية أكثر توازنا تساعدها على الاستمرار والقيام بدورها.
وتتمثل أبرز دلالات الأسس الجديدة في اعتماد معايير تنظم توزيع الإعلانات الحكومية بين الصحف اليومية، بما يعزز العدالة وتكافؤ الفرص بين الصحف الكبيرة والصغيرة. فالإعلان الحكومي يمثل موردا اقتصاديا مهما للمؤسسات الصحفية، وتؤثر آليات توزيعه بصورة مباشرة في قدرتها على تغطية النفقات التشغيلية، والاحتفاظ بكوادرها المهنية، وتطوير المحتوى والخدمات الإعلامية.
وتنص الأسس التي أقرها مجلس الوزراء على ترتيب الصحف اليومية وفقا للتعليمات الصادرة عن وزير العدل بشأن تحديد الصحف الأوسع انتشارا، واعتماد هذا الترتيب أساسا لتوزيع الإعلانات الحكومية، وتوفر هذه الآلية إطارا تنظيميا يتيح للصحف فرصا أكثر وضوحا للاستفادة من الإعلانات الحكومية، ويعزز إمكانية متابعة التوزيع والتدقيق فيه، ويحد من الاجتهادات التي قد تؤدي إلى تفاوت الفرص بين المؤسسات الصحفية، وتبرز أهمية هذه الخطوة في تكريس مبدأ العدالة بين الصحف حسب انتشارها بمختلف أحجامها وإمكاناتها، بما يعزز التوازن داخل القطاع الصحفي.
ويحمل القرار دلالة مهنية ومؤسسية مهمة، تتمثل بإدراك الحكومة أن الصحف تمثل خزانات للكفاءات الصحفية والخبرات الإعلامية، ومؤسسات تضم مئات الصحفيين والعاملين في مجالات التحرير والإخراج والتصوير والإدارة والإنتاج، وتمثل هذه الكفاءات رصيدا وطنيا تراكم عبر عقود، وأسهم في بناء الخبرة الإعلامية الأردنية وتطوير أدواتها المهنية، ومن هنا، فإن إنصاف المؤسسات الصحفية يدعم قدرتها على المحافظة على كوادرها وخبراتها، والاستمرار في إنتاج محتوى مهني موثوق، ومواكبة التحولات التي يشهدها القطاع الإعلامي.
وتتحمل الصحف مسؤولية وطنية ومهنية في نقل المعلومات، وتوسيع مساحة النقاش العام، وتعزيز الوعي بالقضايا الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، وفي المقابل، فإن إنصافها في توزيع الإعلانات الحكومية يرتب عليها مسؤولية مضاعفة تستوجب الارتقاء بالأداء التحريري، والالتزام بأخلاقيات المهنة ومعايير الدقة والموضوعية والتحقق من المعلومات، وتعزيز ثقة الجمهور بالمحتوى الذي تقدمه.
كما تقتضي هذه المسؤولية الحفاظ على الاستقلالية المهنية، والفصل الواضح بين الإعلان والمادة التحريرية، وتقديم محتوى يخدم المصلحة العامة ويعزز حق المواطنين في المعرفة، وتشمل كذلك الاستثمار في تدريب الصحفيين وتطوير أدوات الإنتاج والنشر، والابتعاد عن الإثارة والمعلومات غير الموثوقة، بما يحافظ على مكانة الصحافة مصدرا للمعلومة الموثوقة ومساحة للنقاش العام المسؤول، فالعلاقة المتوازنة بين الحكومة والصحف تقوم على وضوح الحقوق والواجبات؛ فالحكومة بدورها قامت وعبر جهودها المقدرة عاليا بإقرار وتطبيق أسس عادلة وشفافة في توزيع الإعلانات، وفي ذات الوقت ستستمر الصحف بتوظيف الفرص المتاحة في تطوير أدائها وتعزيز قيمتها المهنية والمجتمعية.
وتتطلب أهمية القرار أن تقترن مرحلة إقراره بالتنفيذ الدقيق والشفاف، بما يضمن التزام الجهات الحكومية والوحدات الحكومية المشمولة بالأسس، وفي مقدمتها الوزارات والدوائر الرسمية والمؤسسات والهيئات والجامعات الرسمية والبلديات وأمانة عمان الكبرى والشركات المملوكة بالكامل للحكومة، خاصة وأن الأسس تضمنت إجراءات لتعزيز الرقابة على التطبيق، من خلال تكليف وحدات الرقابة الداخلية بمتابعة الالتزام بالمعايير وإعداد تقارير ربع سنوية، إلى جانب دور ديوان المحاسبة في مراقبة الالتزام بأحكامها، ويمنح هذا الإطار الرقابي القرار فرصة للتحول إلى ممارسة مؤسسية مستقرة، شريطة متابعة التنفيذ ومعالجة أي اختلالات قد تظهر خلال التطبيق، وضمان وضوح الإجراءات أمام جميع المؤسسات المعنية.
في المحصلة، يمثل إقرار أسس نشر الإعلانات الحكومية خطوة إيجابية تسجل للحكومة في الاستجابة لمطالب الصحف ونقابة الصحفيين، وترسيخ العدالة في توزيع الموارد الإعلانية الحكومية، ومن شأن تطبيقها على أرض الواقع أن يضمن تكافؤ الفرص بين الصحف، ويحمي الكفاءات العاملة فيها، ويعزز قدرتها على مواصلة رسالتها الوطنية، وفي الوقت ذاته، يشكل الالتزام المهني والحفاظ على استقلالية العمل الصحفي وجودة المحتوى أساسا لتعزيز ثقة الجمهور، وترسيخ دور الصحافة شريكا في خدمة المجتمع والمصلحة الوطنية.