قامت الاستراتيجية الإسرائيلية على إناطة المهام الإدارية والتنظيمية بالسلطة بعد سحبها من الفعاليات الاجتماعية الفلسطينية، ومن ثم العمل على إضعاف السلطة والحيلولة دون تمكينها من ممارسة مهامها، وفي الوقت نفسه القضاء على الشروط الموضوعية للصمود الفلسطيني.
من بين ذلك الأمن الغذائي، حيث لا يستطيع الفلسطينيون الوصول إلى أراضيهم من أجل الزراعة، مع سياسة ممنهجة لقطع أشجار الزيتون ذات القيمة الاقتصادية للفلسطينيين، بجانب التراجع الكبير في الثروة الحيوانية التي أصبحت عرضة لاعتداءات وعمليات سلب ونهب من قبل المستوطنين.
الضفة الغربية التي خضعت للتخريب وتقطيع الأوصال تصبح اليوم مشكلة في وجه إسرائيل، بما يستدعي وضع الأردن، من وجهة نظر بعض التيارات، في الصدارة على أساس أن يرفع العبء عن إسرائيل، وفقًا للمقترح الذي طرحه أفيغدور ليبرمان مؤخرًا ووضعه على الطاولة، ولكنه ليس التصور الوحيد لدور أردني في الضفة الغربية.
يريد ليبرمان أن يتحقق ذلك في المناطق "أ" و"ب" التي تقل مساحتها عن 40% من مساحة الضفة، حيث تفترض إسرائيل المناطق "ج" موضوعًا منتهيًا أصلًا، وبذلك يصبح الأردن، من وجهة نظر إسرائيل، وكيلًا إداريًا في حل المشكلة التي صنعتها ممارسات الاحتلال، لا شريكًا في أي تسوية يمكن أن تؤدي إلى سلام مستدام.
من الخبرة التاريخية في السياسة الإسرائيلية، يندرج المقترح ضمن سياسة استدراج للأردن تشبه، في جوهرها، ما حدث مع السلطة الوطنية الفلسطينية، وتختلف في تفاصيلها. والأردن على وعي كامل بذلك، وحتى لو تضاءلت فرصة حل الدولتين، فهو لن يشترك في شرعنة أو تسهيل أي حلول للمعضلة الديمغرافية التي تواجهها إسرائيل. ولو كان على الاحتلال أن يعود فعليًا، فالأردن أيضًا سيواصل سياسته التي لا يرى غيرها حلًا ممكنًا ومقبولًا، أي وجود دولة للفلسطينيين وفقًا للتصورات التي قامت عليها مقترحات السلام بعد حرب 1967، وبناء على التوافقات العربية والدولية التي ارتبطت بتلك المرحلة.
لا يعني ذلك أن الأردن يعيش خارج التاريخ وتطوراته، ولكنه ليس مستعدًا لأن يدفع فواتير غيره، لا في إسرائيل ولا غيرها، حيث أدت الحسابات الخاطئة إلى تأسيس الفضاء التوسعي الإسرائيلي. والأردن يفضل أن يعود إلى صراحة مواجهة الاحتلال على الأرض وما يترتب عليها من ضغوطات، التي تبقى أقل من تكلفة الاشتراك في خدمة الحلول التي ترتئيها إسرائيل وتسعى إلى تطبيقها، وعلى طريقة فرض الأمر الواقع، وكأن الأردن ملف انتخابي بين الأحزاب الإسرائيلية، وليس بلدًا تحمل طويلًا مسؤولياته تجاه القضية الفلسطينية وحقوق الشعب الفلسطيني.