وعلى هذا الأساس يمكن الحكم على عملية 7 تشرين الأول- أكتوبر عام 2023، التي نفذتها بشكل أساسي "كتائب القسام" التابعة لحركة حماس، فالأمر المؤكد أن الحركة لم يخطر بذهن قادتها، وفي مقدمتهم يحيى السنوار، الذي يفترض أنه صاحب القرار الأول في التخطيط وتنفيذ هذه العملية، أن رد فعل قوات الاحتلال سيكون بهذه الوحشية، وأن العملية المفاجئة التي فاجأت جيش الاحتلال جيش الاحتلال، ستكون تداعياتها كارثية على سكان قطاع غزة! وأن إسرائيل ستشن حرب إبادة جماعية على القطاع، حيث نتج عن هذه الحرب كارثة إنسانية مروعة، وأظن أن تقديرات قادة حماس كانت تفترض أن رد الفعل الإسرائيلي سيكون حربًا محدودة، كالحروب التي شنتها على قطاع غزة السابقة، ربما تستمر شهرًا أو شهرين!
واضح أن النتائج لم تكن وفق الحسابات، حيث نزح ملايين الفلسطينيين في مخيمات بائسة في بيئة اجتماعية تغرق بالأمراض والأوبئة، بينما دمرت غالبية المستشفيات والمراكز الصحية، ولا يجد الناس أدوية لمعالجة الأمراض التي يعانون منها، حيث نتج عن الحرب المستمرة حتى اليوم أكثر من 75 ألف شهيد، ومئات الآلاف من الجرحى، يضاف إلى ذلك نقص الأغذية، حيث يعاني سكان القطاع من الجوع ويعتمد بشكل أساسي على ما تقدمه التكايا من طعام.
ونفس الشيء ينطبق على مغامرات حزب الله، التي بدأها في 2 آذار العام الحالي، بإطلاق ستة صواريخ على إسرائيل انتقامًا لمقتل مرشد إيران علي خامنئي، نتج عنها تدمير عشرات المدن والقرى في جنوب لبنان، واحتلال إسرائيل لنصف الجنوب، ونزوح أكثر من مليون شخص!
وأنا شخصيًا نشرت كتابًا حول تداعيات حرب الإبادة الجماعية، التي شنتها إسرائيل على قطاع غزة كرد فعل على عملية السابع من تشرين الأول- أكتوبر، وكان عنوان الكتاب "غزة.. الكارثة والبطولة"، ويتضمن رد فعل على السردية الصهيونية، التي لا تزال تستثمر سياسيًا في المحرقة- الهولوكوست، التي تزعم أن النظام النازي نفذها بقتل ستة ملايين يهودي خلال الحرب العالمية الثانية، وهي وإن كانت صحيحة من حيث المبدأ، لكن ثمة مبالغة كبيرة في رقم من قتلوا.
ولأغراض الاستثمار السياسي والحصول على تعويضات أوروبية، وخاصة من ألمانيا، تحيي دولة الاحتلال سنويًا ذكرى الهولوكوست، في السابع والعشرين من شهر نيسان حسب التقويم العبري، أو في موعد قريب منه بحسب تعديلات أيام الأسبوع، ويبدأ إحياء الذكرى من غروب الشمس ويستمر حتى مساء اليوم التالي، وتطلق صفارات الإنذار في جميع أنحاء البلاد لمدة دقيقتين، في تمام الساعة العاشرة صباحًا حدادًا على أرواح "الضحايا" المزعومين!
وقد شكك في رقم من قتلوا مفكرون وكتاب أوروبيون، في مقدمتهم المفكر الفرنسي روجيه غارودي، الذي اعتبر الرقم مبالغًا به كثيرًا، ووثق ذلك في كتابه "الأساطير المؤسسة للسياسة الإسرائيلية"، الذي صدر في منتصف التسعينات من القرن الماضي، وشكك غارودي في الأرقام الشائعة حول إبادة ستة ملايين من يهود أوروبا في غرف الغاز على يد النازيين، وقدم جارودي للمحاكمة بسبب الكتاب، وحكم عليه بالسجن لمدة عام مع وقف التنفيذ.
وثمة مفكر فرنسي آخر اسمه "روبير فوريسون"، لاحقته السلطات الفرنسية بسبب إنكاره المحرقة اليهودية، استنادًا لما أدلى به من تصريحات في الخارج بشأن المحرقة اليهودية، وغُرِّم من قبل محكمة فرنسية عام 1983، لتصريحه بأن "هتلر لم يأمر قط ولم يسمح بقتل أي شخص بسبب عرقه أو دينه".
وكان فوريسون أبدى نظريات تنكر المحرقة، و"لذلك لاحقه القضاء الفرنسي وشطب من الجامعة الفرنسية"، وكانت محكمة جنح في باريس أصدرت في أكتوبر/تشرين عام 2006، حكمًا بالسجن ثلاثة أشهر مع تعليق النفاذ في الموضوع ذاته.
وهو لا ينفي تعرض اليهود للاضطهاد، لكنه انتقد استغلال الحركة الصهيونية وإسرائيل لحدث المحرقة سياسيًا، وبسبب الكتاب أصدرت محكمة فرنسية حكمًا بإدانته في عام 1998، وقضت بتغريمه ماليًا والحكم عليه بالسجن لمدة سنة واحدة مع وقف التنفيذ.
وفي نفس التهمة مثل أمام القضاء النمساوي المؤرخ البريطاني ديفد إيرفينغ، الذي شكك في المحرقة النازية لليهود وغرف الغاز في الحرب العالمية الثانية، وتهمة إيرفينغ إحياء النازية وإنكار الهولوكوست من خلال كتبه ومحاضرات ألقاها عام 1989، وشكك حينذاك في عدد اليهود الذين أحرقوا ونفى أن يكون ستة ملايين، كما شكك في وجود غرف الغاز.
وبسبب الضغوط الصهيونية والاستثمار السياسي من قبل إسرائيل للمحرقة، تحظر دول أوروبية عديدة (مثل ألمانيا، النمسا، فرنسا، وبلجيكا) التشكيك في الهولوكوست أو إنكارها، وتعتبر ذلك شكلًا من أشكال التحريض على الكراهية ومعاداة السامية.