تربوي: «الفيب» يزيد صعوبة اكتشاف التدخين بين الطلبة
لم تعد السيجارة التي يخفيها الطالب في جيبه مجرد سلوك عابر يمكن تجاهله، ولا بات «الفيب» مجرد جهاز صغير يتوارى في حقيبة مدرسية، فخلف هذه الظاهرة تقف أسئلة تربوية واجتماعية وصحية تتعلق بجيل يتشكل وعيه وسلوكه في واحدة من أكثر مراحل العمر حساسية. وبين فضول المراهق، وتأثير الأقران، وضغوط الأسرة والدراسة، وإغراء النكهات والأشكال الجذابة لمنتجات التدخين الحديثة، تتسلل هذه الآفة إلى البيئة المدرسية، لتضع الأسرة والمدرسة والمجتمع أمام مسؤولية مشتركة تتجاوز حدود العقوبة إلى الوقاية والتوعية والعلاج.
من جهته قال التربوي قيصر الغرايبة إن ظاهرة التدخين بين طلبة المدارس باتت من التحديات السلوكية والتربوية التي تستدعي اهتماما أكبر من الأسرة والمدرسة والمؤسسات المعنية، خصوصا مع اتساع حضور منتجات التدخين الحديثة، وفي مقدمتها السجائر الإلكترونية، بين فئة المراهقين.
وأوضح أن التدخين لم يعد مقتصرا على السجائر التقليدية، إذ فرضت السجائر الإلكترونية «الفيب» حضورها في أوساط الطلبة، مستفيدة من أشكالها الصغيرة والجذابة وتنوع نكهاتها وسهولة إخفائها، ما يجعل اكتشاف استخدامها داخل البيئة المدرسية أكثر صعوبة، ويزيد الحاجة إلى التوعية والرقابة والوقاية المبكرة.
وأشار الغرايبة إلى أن مرحلة المراهقة تمثل فترة حساسة في تشكيل السلوكيات، إذ قد تدفع الرغبة في التجربة ومحاكاة الكبار وبعض الأقران إلى خوض تجربة التدخين، لافتاً إلى أن الضغوط الاجتماعية والنفسية والرغبة في إثبات الذات أو الانتماء إلى مجموعة معينة قد تسهم في ترسيخ هذه العادة.
وبين أن البيئة المحيطة بالطالب تلعب دورا مهما في تشكيل سلوكه، سواء من خلال الأصدقاء أو الأسرة أو ما يتعرض له عبر وسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي، إلى جانب سهولة الحصول على منتجات التبغ، وتوفر المصروف المالي دون متابعة كافية في بعض الحالات.
وأضاف أن وجود نماذج مدخنة داخل الأسرة قد يسهم كذلك في تقليل الحاجز النفسي أمام تجربة التدخين، باعتبار أن الأسرة تمثل النموذج الأول الذي يتعلم منه الطفل أنماط السلوك، مؤكدا أن معالجة الظاهرة تبدأ من تعزيز الحوار الأسري والقدوة الإيجابية والمتابعة الواعية.
ولفت الغرايبة إلى أن آثار التدخين في مرحلة المراهقة لا تتوقف عند الجانب الصحي، وإنما تمتد إلى الجوانب النفسية والسلوكية والتعليمية، إذ يمكن أن يرتبط التدخين بمشكلات في التركيز والتحصيل الدراسي، والغياب، والمشكلات السلوكية والانضباطية، فضلاً عن مخاطر الاعتماد على النيكوتين في سن مبكرة.
وأكد أهمية التعامل مع الطلبة المدخنين من منظور تربوي وعلاجي إلى جانب تطبيق الأنظمة والتعليمات، بحيث لا يقتصر التعامل مع المشكلة على العقوبة، وإنما يتضمن البحث عن الأسباب التي دفعت الطالب إلى هذا السلوك، وتقديم الدعم والإرشاد المناسبين له.
وشدد على ضرورة تفعيل دور المرشدين التربويين والأخصائيين النفسيين في المدارس، وتوسيع برامج التوعية الصحية والسلوكية لتبدأ في مراحل عمرية مبكرة، إلى جانب تنفيذ برامج مشتركة مع الجهات الصحية والمجتمعية المختصة، بما يسهم في بناء وعي حقيقي بمخاطر التدخين ومنتجات النيكوتين الحديثة.
وأشار إلى أهمية توفير بدائل إيجابية أمام الطلبة، من خلال الأنشطة الرياضية والثقافية والفنية والبرامج اللامنهجية، التي تساعد على استثمار أوقات الفراغ وتعزيز الثقة بالنفس والانتماء إلى المدرسة، وتوفير مساحات آمنة للتعبير عن الضغوط والمشكلات التي يواجهها المراهقون.
ودعا الغرايبة الأسرة إلى اعتماد أسلوب يقوم على الحوار والمتابعة دون الإفراط في التضييق، وضبط المصروف اليومي بما يتناسب مع احتياجات الأبناء، ومراقبة السلوك بصورة واعية، إلى جانب توفير بيئة أسرية مستقرة وداعمة.
كما أكد أهمية تكامل الأدوار بين الأسرة والمدرسة والجهات الرسمية في الحد من وصول منتجات التبغ والنيكوتين إلى الطلبة، وتشديد الرقابة على بيعها للقاصرين، ومتابعة المحال التجارية في محيط المدارس، والتأكد من تطبيق التشريعات والتعليمات ذات الصلة.
وشدد الغرايبة على أن مواجهة التدخين بين الطلبة ليست مسؤولية المدرسة وحدها، وإنما قضية مجتمعية تتطلب شراكة حقيقية بين الأسرة والمؤسسات التربوية والصحية والمجتمع المحلي، لأن حماية المراهقين من التدخين لا تعني الحفاظ على صحتهم فقط، بل تسهم في بناء بيئة مدرسية أكثر أمناً واستقرارا، وإعداد جيل أكثر وعياً وقدرة على اتخاذ خيارات صحية وسليمة.