الأردن اليوم في مواجهة سياسية مباشرة مع إسرائيل، هذا ما يتوجب علينا إدراكه، فالموقف الأردني الذي عبر عنه جلالة الملك لم تتجرأ عليه دول كبرى؛ رفض استقبال نتنياهو إلا بشروط، ولم يسمح بفتح الباب مع السويداء رغم الضغوط الدبلوماسية الإسرائيلية المكثفة، ولوح أمام العالم كله بمعالجة سلوك تل أبيب في جنوب سوريا والضفة بشكل منفرد، مع تعبيره عن فقدانه الأمل بتحرك دولي ضد البلطجة الإسرائيلية.
جلالة الملك قال أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة حرفيًا إن شهية الحكومة الإسرائيلية أصبحت تهديداً إقليمياً، وإن سوريا مثال تحذيري على ذلك، وأن إسرائيل تختبر العالم تدريجياً، وتستغل صمت المجتمع الدولي لتمضي أبعد في تماديها. إنها قراءة أردنية جديدة علنية لإسرائيل، تنم عن فهم عميق لمآرب نتنياهو واليمين المتطرف.
لذلك بدأت إسرائيل اليوم بإغلاق كافة الحواجز في الضفة الغربية وهي رسالة واضحة للأردن بعد الموقف الملكي الأخير، والإعلان بأن التضييق على الفلسطينيين سيكون عنوان الرد وبداية التحدي. صحيح أن الأردن وعلى لسان وزير الخارجية جدد الرفض القطعي لأي محاولات تهجير إلى الأردن، لكن هذا لا يعني أن تكون طاولة القرار الأردني خالية من خيارات الرد بقرارات إدارية وقانونية تعزز فاعلية قرار فك الارتباط مع الضفة الغربية.
لا شك أن لدينا اليوم علاقات ممتازة مع معظم دول العالم خصوصًا مع الدول الأوروبية والصين، بينما لدى إسرائيل خسائر فادحة في علاقاتها الدولية بسبب سياسات اليمين الحاكم هناك، والأردن يعرف كيفية استغلال هذه المساحات في الحركة الدبلوماسية، لكن إسرائيل بطبيعتها العدائية لن تنسى ما تسبب به الأردن لها من ضرر على سمعتها أمام العالم.
الأردن أيضًا أعلن بشكل قطعي أنه لن يتسامح مع أي تغيير في وضع الجنوب السوري أو في الملفات التي تؤثر على الأمن الأردني وحصته في المياه. الأردن اليوم يدافع عن نفسه ولا يتضامن كما جرت العادة، وهذه جبهة جديدة قد تستغلها تل أبيب للرد.
ورغم أننا اعتدنا على التشكيك الذي تقوده إسرائيل وقوى إخوانية معادية (بالذات فرع لندن)، إلا أننا يجب أن ندرك مدى واقعية هذا التصعيد الإسرائيلي الذي يحتّم علينا أن نستفيد من كل عناصر القوة التي تحصّل عليها الأردن في المجالات العسكرية والدبلوماسية، ونستغل الظروف الجديدة التي حاصرت الحالة المليشياوية التي كان لها حضور كبير في الخارطة السياسية الداخلية.
الغالب أن يكون للموقف الأردني تبعات وضريبة ربما، هكذا يقول سجل السلوك الإسرائيلي، لذلك فنحن اليوم مطالبون بأن نقف خلف الملك والجيش من خلال مواجهة رواية التشكيك وتهبيط المعنويات التي تسري هنا وهناك.
التغيير الديمغرافي وحصتنا في المياه هي الملفات التي ستستخدمها إسرائيل ضدنا، وهذه ملفات خطيرة ووجودية، لذلك فالقادم يحتاج يقظة واستثماراً لكل ما نملك من عناصر قوة.