لم يعد السؤال: ماذا يحدث في فلسطين؟ فالعالم يعرف. السؤال الأكثر قسوة الذي وضعه الملك عبدالله الثاني أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة هو: ماذا يعني أن يعرف العالم ما يحدث، ثم لا يفعل ما يكفي لوقفه؟
يمكن اختصار جوهر الخطاب في أربع رسائل: المعرفة يجب أن تتحول إلى فعل، وغزة والضفة الغربية قضية واحدة، وفلسطين اختبار لمصداقية القانون الدولي، والسلام الحقيقي يتطلب إنهاء الصراع لا مجرد إدارته.
فالوقائع ليست مجهولة. غزة حاضرة أمام العالم، وما يجري في الضفة الغربية موثق، والاستيطان والتهجير والعنف قضايا مطروحة باستمرار، فيما مبادئ القانون الدولي واضحة. ومع ذلك، يستمر الواقع في التحرك في الاتجاه ذاته.
وهنا يكتسب مفهوم «الانتباه» الذي ركز عليه الملك معنى سياسياً أعمق. فالانتباه ليس مجرد عناوين إعلامية، بل قدرة على إبقاء القضية حاضرة في القرار الدولي. والخطر الأكبر ليس فقط استمرار المأساة، وإنما أن يعتاد العالم عليها، ثم تتحول الوقائع المفروضة إلى «واقع جديد» يصعب تغييره.
من إدارة الصراع إلى إنهائه
لسنوات طويلة، جرى التعامل مع القضية الفلسطينية من خلال ملفات منفصلة: الحرب، والمساعدات الإنسانية، والأمن، والمفاوضات. لكن غزة والضفة الغربية ليستا قضيتين منفصلتين، بل جزء من قضية سياسية واحدة.
غزة ليست مجرد كارثة إنسانية تحتاج إلى المساعدات، والضفة ليست مجرد ملف أمني يحتاج إلى التهدئة. وقف الحرب وإيصال المساعدات وإعادة الإعمار ضرورات عاجلة، لكنها لا يمكن أن تكون بديلاً عن الحل السياسي.
فالإعمار يعالج آثار الحرب، أما الحل السياسي فيعالج أسبابها.
وفي الضفة الغربية، تزداد أهمية الانتباه إلى التطورات التدريجية من استيطان ومصادرة أراضٍ وتهجير وعنف، لأن تراكمها قد يجعل تغيير الواقع أكثر صعوبة في المستقبل.
فلسطين واختبار القانون الدولي
يتجاوز خطاب الملك القضية الفلسطينية إلى سؤال أوسع: ما قيمة القانون الدولي إذا بدا تطبيقه انتقائياً؟
فالنظام الدولي يستند إلى قواعد يفترض أن تكون قابلة للتطبيق على الجميع. وعندما تتراجع الثقة بتساوي هذه القواعد، لا تكون القضية الفلسطينية وحدها المتضررة، بل تتأثر مصداقية النظام الدولي نفسه.
من هنا، تصبح فلسطين اختباراً ليس فقط للسياسة الدولية، وإنما لمدى قدرة المجتمع الدولي على تحويل مبادئه المعلنة إلى ممارسة فعلية.
الأردن وفلسطين والأمن الإقليمي
بالنسبة للأردن، فلسطين ليست مجرد ملف في السياسة الخارجية. فالجغرافيا والتاريخ والتطورات الإقليمية تجعل ما يحدث في الضفة والقدس مرتبطاً مباشرة بالأمن الوطني الأردني.
ويأتي دعم الأردن لصمود الفلسطينيين، والأونروا، والحفاظ على الوضع التاريخي والقانوني القائم في المقدسات الإسلامية والمسيحية في القدس ضمن ثوابت ترتبط بأمن الأردن واستقرار المنطقة.
كما أعاد الخطاب التذكير بمبادرة السلام العربية، التي قدمت إطاراً يقوم على إنهاء الاحتلال وقيام الدولة الفلسطينية مقابل السلام والعلاقات الطبيعية. ويبقى السؤال: هل تتوافر الإرادة السياسية لتحويل هذا الإطار إلى مسار حقيقي؟
من الانتباه إلى الفعل
في النهاية، تكمن أهمية خطاب الملك في الأسئلة التي تركها أمام المجتمع الدولي: هل يصبح وقف إطلاق النار بداية لمسار سياسي؟ وهل تتحول الدولة الفلسطينية إلى هدف قابل للتحقق؟ وهل يبقى القانون الدولي مبدأً معلناً أم يصبح قاعدة واجبة التطبيق؟
هذه ليست أسئلة أردنية فقط، بل أسئلة تتعلق بمستقبل المنطقة ومصداقية النظام الدولي.
فحين يعرف العالم ولا يتحرك، لا يعود التقاعس مجرد غياب للقرار؛ بل يصبح قراراً بحد ذاته.
ولهذا فإن الرسالة الأعمق هي: لا ينبغي أن يصبح الانتباه بديلاً عن الفعل، ولا أن يسمح الزمن بتحويل الظلم إلى حقيقة مقبولة.
باحث ومخطط استراتيجي