في واحدة من أشدّ كلماته وضوحاً وصراحة أمام المحفل الدولي، وضع جلالة الملك عبدالله الثاني المجتمع الدولي أمام مسؤولياته التاريخية والجيوسياسية خلال إلقائه خطاب الأردن في اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة بنواحي نيويورك، مشيراً إلى أن العجز الدولي عن لجم التصرفات الإسرائيلية تحول إلى "خيار سياسي" وليس نقصاً في الأدوات القانونية والدبلوماسية.
تشخيص الواقع: الإفلات من العقاب
استهل جلالة الملك كلمته بتسليط الضوء على خطورة "تشتت الانتباه الدولي"، مشيراً إلى أن خطورة المشهد الإقليمي تكمن في التعامل مع كل انتهاك إسرائيلي جديد وكأنه أمر مؤقت، حتى غدا المؤقت استراتيجية دائمة. وأوضح الملك أن شعور الحكومة الإسرائيلية القدرة على الإفلات المتكرر من العقاب وصل إلى مستويات مرعبة، تجعل من القرارات الدولية مجرد "حبر على ورق"، ما أنتج كياناً يتصرف كـ"دولة بلا رادع".
غزة والضفة: وجهان لاستراتيجية الترحيل
وفي تفنيده للمفاهيم والتسميات، دعا الملك العالم إلى تسمية الأمور بمسمياتها الحقيقية، رافضاً اختزال الاعتداءات الممنهجة في الضفة الغربية باعتداءات "حفنة من مثيري الشغب". وأكد جلالته أن ما يشهده القطاع والضفة ليس مجرد إجراءات أمنية، بل هو تحول جذري وسياسة مقصودة للتهجير القسري - وهو ما يصنف قانونياً كـ "جريمة حرب" - تهدف بالأساس إلى تقويض أي فرصة لقيام دولة فلسطينية قابلة للحياة. كما حذر من الأوهام التي تحاول فصل ملف غزة عن الضفة، مشدداً على أنهما يمثلان جبهتين لسياسة واحدة تسعى لمحو الوجود الفلسطيني.
التحذير من الأطماع التوسعية والخطوط الحمراء
ولم يقف تحذير الملك عند حدود فلسطين المحتلة، بل امتد ليدق ناقوس الخطر إقليمياً، لافتاً إلى أن التوغلات الإسرائيلية في جنوب سوريا فرضت واقعاً جديداً يهدد المنطقة ككل. وفي موقف أردني حاسم وواضح، أعلن جلالة الملك أن أي مساس بالحدود الشمالية للمملكة أو بأمنها المائي يعد تهديداً مباشراً للأمن القومي الأردني، مشدداً على أن المملكة ستتصدى لحماية أرضها ومياهها ومصالح شعبها دون تردد.
الأردن: نموذج الثبات والوصاية الهاشمية
واختتم جلالة الملك كلمته بالتشديد على استمرار الأردن في تقديم نموذج يستند إلى المبادئ والدبلوماسية، مؤكداً الاستمرار في دعم صمود الشعب الفلسطيني ومؤسسة "الأونروا"، والتمسك بالوصاية الهاشمية في الحفاظ على الوضع التاريخي والقانوني القائم للمقدسات الإسلامية والمسيحية في القدس. ووجه الملك رسالة جليّة للعالم مفادها أن تمسك الأردن بالسلام والدبلوماسية ينبع من مكامن القوة والالتزام بالقيم الإنسانية.