في خطابه يوم أمس أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في دورتها الحادية والثمانين، أعاد جلالة الملك عبدالله الثاني التأكيد على موقف الأردن الثابت تجاه القضية الفلسطينية وحقوق اللاجئين، معلنًا بوضوح: «وسنستمر في دعم الأونروا». ويأتي ذلك اليوم فيما تتعرض وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين لمحاولات ممنهجة تستهدف وجودها ودورها وتفويضها الأممي.
ولم يكن هذا الموقف جديدًا أو مرتبطًا بلحظة سياسية عابرة، بل امتدادًا لمسار ملكي متواصل في الدفاع عن الأونروا عبر منابر الأمم المتحدة والمحافل الدولية؛ ففي عام 2018 قاد الأردن، بتوجيهات جلالة الملك، تحركًا دبلوماسيًا واسعًا لمواجهة أخطر أزمة مالية شهدتها الوكالة، وأسهم في عقد مؤتمرات دولية لحشد الدعم لها، ثم واصل جلالته خلال الأعوام التالية التأكيد أن استمرار خدماتها ضرورة إنسانية. وفي خطابه أمام الجمعية العامة عام 2021، دعا المجتمع الدولي إلى مواصلة دعم الوكالة لتمكينها من خدمة ملايين اللاجئين الفلسطينيين، وفي عام 2022 حث الدول الأعضاء على تجديد تفويضها وضمان حق أطفال اللاجئين في التعليم والرعاية الصحية، ثم جدد في عام 2023 مطالبته بتوفير تمويل مستدام لها. وفي عام 2024 منح جلالته الأونروا وسام الاستقلال من الدرجة الأولى تقديرًا لدورها الإنساني، ودافع عنها في لقاءاته الدولية بوصفها شريان حياة لملايين الفلسطينيين، وصولًا إلى خطابه أمام الدورة الحادية والثمانين للجمعية العامة عام 2026، حين حسم الموقف بقوله: «وسنستمر في دعم الأونروا».
مرة أخرى، ينتصر جلالة الملك للأونروا باعتبارها شاهدًا دوليًا حيًا على قضية اللاجئين الفلسطينيين وحقوقهم التاريخية. فمحاولات إضعاف الوكالة أو إنهاء عملها لا يمكن فصلها عن مساعٍ أوسع لتصفية قضية اللاجئين، وشطب حق العودة، وتحميل الدول المضيفة مسؤوليات أنشأها الصراع واستمراره.
واكتسب موقف جلالته أهمية ضمن خطاب واضح يصف ما يجري في الأراضي الفلسطينية المحتلة. فقد أكد أن ما يحدث في الضفة الغربية ليس حوادث منفصلة، بل ممارسات مترابطة تشكل سياسة واحدة تستهدف إجبار شعب كامل على مغادرة أرضه، محذرًا من أن التقاعس الدولي عن وقف هذه الانتهاكات لم يعد عجزًا، بل أصبح خيارًا.
من هنا، فإن إعلان الاستمرار في دعم الأونروا لم يكن تفصيلًا جانبيًا في الخطاب، بل جزءًا من رؤية أردنية متكاملة لمواجهة التهجير وحماية الوجود الفلسطيني. فالوكالة تؤدي دورًا أساسيًا في التعليم والصحة والإغاثة والحماية الاجتماعية، وأي تراجع في قدرتها على العمل سيترك ملايين الأسر، ولا سيما الأطفال والمرضى والفئات الأشد ضعفًا، أمام فراغ إنساني لا تستطيع أي جهة أخرى سده.
وبالنسبة إلى الأردن، يجمع الدفاع عن الأونروا بين الواجب القومي والإنساني وحماية المصلحة الوطنية. فالمملكة تستضيف العدد الأكبر من اللاجئين الفلسطينيين المسجلين لدى الوكالة، وقد تحملت على مدى عقود مسؤوليات كبيرة في رعايتهم ودعم استقرارهم. ولذلك يصر الأردن على أن استمرار خدمات الأونروا وتمويلها مسؤولية دولية، ولا يجوز نقل أعبائها إلى الدول المضيفة.
لقد وضع جلالة الملك المجتمع الدولي أمام مسؤوليته الأخلاقية والقانونية؛ فلا يمكن الدفاع عن القانون الدولي بصورة انتقائية، ولا يمكن الحديث عن السلام مع تجاهل حقوق الفلسطينيين أو السماح بتقويض المؤسسة الأممية المسؤولة عن رعاية لاجئيهم.
حين يقول الملك أمام العالم: «سنستمر في دعم الأونروا»، فهو يعلن أن حقوق اللاجئين ليست قابلة للشطب، وأن الأردن لن يقبل بتصفية قضيتهم تحت ضغط الأمر الواقع. إنه موقف هاشمي وأردني ثابت ينتصر لفلسطين، ويحمي حق الإنسان الفلسطيني في التعليم والصحة والكرامة، ويتمسك بالعدالة في زمن أصبح فيه الصمت الدولي شريكًا في المعاناة.