لا تُقاس الخطابات في المحافل الدولية بطولها، بل بقدرتها على تسمية الأشياء بأسمائها في لحظة يكثر فيها التردد. وبهذا المعيار، كان خطاب جلالة الملك عبد الله الثاني ابن الحسين أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة تاريخياً في مضمونه وتوقيته، وقد جاء في دورة عنوانها "استعادة الثقة"، فكان أصدق ترجمة لهذا العنوان وأكثرها جرأة: لم يتعامل مع الثقة كشعار، بل سأل عن أسباب فقدانها وعن طريق استعادتها.وقف جلالته قائداً لدولة منخرطة في قضايا منطقتها لا مراقباً لها؛ دولة معروفة باعتدالها، وقّعت معاهدة سلام، وتحظى بثقة العواصم الكبرى. وحين تقول دولة كهذه إن ما يجري غير مقبول، فإن كلامها يُحسب له ألف حساب.
إنذار مبكر من غزة والضفة إلى العالم
وضع جلالة الملك خطابه في إطار الإنذار المبكر، فالأردن حذّر مراراً من أن تهميش القضية الفلسطينية لن يصنع استقراراً، وأثبتت الأحداث صحة تحذيراته. وأكد أن ما يجري في غزة والضفة الغربية لا يمكن قبوله، وأن السياسات الإسرائيلية لم تمسّ الفلسطينيين وحدهم بل امتدت آثارها إلى الإقليم والعالم. وبهذا التأطير خاطب مصالح الدول قبل عواطفها، وسحب الذريعة ممن يتعاملون مع القضية كشأن محلي يمكن تأجيله.
كما ان اعتداءات المستوطنين لم تعد حوادث فردية، بل تعد نمطاً ممنهجاً من حرق المنازل واقتلاع الزيتون ومهاجمة المزارعين وتهجير تجمعات كاملة. والأخطر أنها تجري تحت نظر الجيش الإسرائيلي، المسؤول قانونياً بصفته قوة احتلال عن حماية المدنيين، بل وثّقت تقارير أممية وحقوقية حالات شارك فيها جنود في الاعتداءات أو وفّروا الحماية للمعتدين. وحين تتلاشى الحدود بين المستوطن والجندي، نكون أمام سياسة رسمية هدفها فرض الوقائع وتقويض أي أفق لدولة فلسطينية. وبلغ الخطاب ذروته حين تناول القانون الدولي الذي يتحول إلى حبر على ورق عندما يتعلق الأمر بإسرائيل. فالقانون الذي يُستثنى منه طرف واحد يفقد معناه للجميع، ويمنح المبرر لكل من يريد خرق القواعد، ويضعف حجة الدول الكبرى نفسها في أزمات أخرى. وهكذا واجه الملك العالم بمبادئه المعلنة، ووضعه أمام التناقض بين ما يقوله وما يفعله.
استعادة الثقة... من أين تبدأ؟
هنا يلتقي الخطاب مع عنوان الدورة. فالثقة لم تُفقد بسبب ضعف البيانات، بل بسبب الفجوة بين المبادئ والأفعال. وحين يفقد الشباب في منطقتنا إيمانهم بقدرة القانون الدولي على إنصافهم، يُفتح الطريق أمام اليأس والتطرف، وحين تفقد الدول ثقتها بالنظام الدولي تلجأ إلى منطق القوة. واستعادة الثقة تبدأ، كما أشار جلالته، بتطبيق القانون على الجميع دون استثناء، ووقف ما يجري في غزة والضفة، ومحاسبة المنتهكين، وإحياء أفق سياسي حقيقي للشعب الفلسطيني. فالثقة تُستعاد بالأفعال لا بالبيانات.
حكومة تهدد الإقليم... وصراع ليس دينياً
ميّز جلالته بدقة بين مسار الصراع وسلوك الحكومة الإسرائيلية الحالية التي تذهب أبعد إلى تهديد الإقليم نفسه، في رسالة ضمنية لداعميها بأن الدعم غير المشروط لا يخدم أمن أحد. وأكد أن الأردن يحمي المسيحيين ويدافع في الوقت نفسه عن الإسلام وصورته الحقيقية، داحضاً تصوير الصراع كصراع ديني وجودي، وهو تصوير يخدم المتطرفين ويُلغي البعد السياسي والقانوني للقضية. وحين يقول ذلك صاحب الوصاية الهاشمية على المقدسات الإسلامية والمسيحية في القدس وصاحب رسالة عمّان، فإنه يتحدث من موقع لا ينازعه فيه أحد.وفي حديثه عن جنوب سوريا، جاءت لغته هادئة وحازمة: إذا تعرضت حدودنا الشمالية أو مصالحنا للتهديد، فنحن قادرون على الدفاع عن بلدنا. رسالة تطمئن الداخل، وتحذّر من يفكر في اختبار صبر الأردن، وتذكّر بأن الدولة التي تمد يدها للسلام لا تُفرض عليها الوقائع.
قيادة بحجم التحدي
خاطب جلالة الملك في خطاب واحد المجتمع الدولي والحكومة الإسرائيلية والعالمين العربي والإسلامي والشارع الأردني، بعدالة وجرأة. قائد يحمل همّ فلسطين كأنه همّ أردني، ويحمي التنوع، ويواجه العالم بالحقائق، ويصون حدود وطنه بثقة. إنه الإرث الهاشمي في أوضح صوره: شجاعة في الموقف، وحكمة في الخطاب، وثبات في المبدأ.
قال الأردن كلمته في دورة عنوانها استعادة الثقة، والثقة لن تُستعاد ما دام القانون يُطبَّق بمعيارين. فهل يستمع العالم هذه المرة، قبل أن يتحول الإنذار المبكر إلى واقع لا يمكن تداركه؟