كتاب

مؤتمر الاستثمار الأردني الأوروبي

ينعقد مؤتمر الاستثمار الأردني الأوروبي في تشرين الثاني المقبل في مرحلة مهمة للاقتصاد الأردني وهو توقيت في غاية الاهمية اذا يكتسب بعداً مهماً، فبينما تمر المنطقة بحالة اضطرابات وتقلبات شديدة يدعو الأردن دول الاتحاد الاوروبي لعرض فرص استثمارية في قطاعات متعدده. لذلك لن يكون المؤتمر منصة لجذب استثمارات جديدة، وإنما كفرصة لإعادة بناء العلاقة الاقتصادية بين الأردن والاتحاد الأوروبي على أساس الاستثمار والإنتاج والتجارة ونقل التكنولوجيا. وتزداد أهمية المؤتمر في ظل الشراكة الاستراتيجية والشاملة بين الأردن والاتحاد الأوروبي، وما توفره من إطار مالي واستثماري يمكن أن يدعم مشاريع طويلة الأجل.
الأردن يستعد لطرح محفظة من الفرص الاستثمارية تقترب قيمتها من 15مليار دولار، موزعة على 15 قطاعا وقطاعا فرعيا. وتتركز النسبة الأكبر في ملفين رئيسين الاول الطاقة والتعدين بنحو 7.1 مليارات دولار، والثاني النقل والسكك الحديدية بنحو 3.56 مليارات دولار، بالاضافة الى الخدمات اللوجستية بنحو 1.61 مليار دولار، السياحة والمياه والصناعة والاقتصاد الرقمي وغيرها. وهذا يعكس تنوع الفرص، لكنه يعكس أيضا تركيزا واضحا على القطاعات التي يمكن أن تغير القدرة الإنتاجية للاقتصاد.
من المهم إبتداءً التمييز بين قيمة الفرص الاستثمارية وقيمة
الاستثمارات الفعلية فالـ15 مليار دولار ليست أموالا دخلت الاقتصاد الأردني بعد، وإنما قيمة مشاريع وفرص يجري عرضها على المستثمرين. ولذلك فإن نجاح المؤتمر سيقاس بحجم المشاريع التي ستنتقل من مرحلة العرض إلى توقيع الاتفاقيات والإغلاق المالي والتنفيذ.
أهمية الاستثمار الأوروبي في أنه لا يوفر رأس المال فقط، بل يمكن أن يوفر التكنولوجيا والخبرة الإدارية والأسواق وسلاسل القيمة. وهذا مهم بالنسبة
للأردن الذي يحتاج إلى رفع الإنتاجية وزيادة الصادرات وخلق فرص عمل ذات قيمة مضافة أعلى. ولذلك يجب أن يكون الهدف هو جذب استثمارات منتجة وليس مجرد زيادة حجم التدفقات الاستثمارية.
يمتلك الأردن عددا من المزايا التي يمكن أن تجعله وجهة استثمارية مهمة للمستثمر الأوروبي، في مقدمتها الاستقرار السياسي بقيادة جلالة الملك بالاضافة الى الموقع الذي يربط بين الأسواق العربية والإقليمية، ورأس المال البشري، والقدرات المتنامية في قطاع التكنولوجيا والخدمات الرقمية، إضافة إلى شبكة الاتفاقيات التجارية. لكن هذه المزايا تحتاج إلى أن تدعمها بيئة أعمال تنافسية، وتشريعات مستقرة، وسرعة في التراخيص، وتخفيض كلف ممارسة الأعمال والطاقة والنقل.
وتبرز الصناعة كأحد أهم المجالات التي يمكن أن تستفيد من الاستثمارات الأوروبية. طبعاً المطلوب ألا يقتصر الاستثمار على الإنتاج للسوق المحلي، وإنما أن يتحول الأردن إلى قاعدة إنتاج وتصدير. ويمكن للشراكات مع الشركات الأوروبية أن تجمع بين التكنولوجيا ورأس المال والأسواق الأوروبية من جهة، والموارد البشرية والموقع والقدرات الإنتاجية الأردنية من جهة أخرى. وهذا من شأنه أن يرفع جودة المنتجات ويخفض كلفة الإنتاج ويزيد القدرة على النفاذ إلى الأسواق الأوروبية.
كما أن نمو الصادرات الأردنية إلى الاتحاد الأوروبي يؤكد وجود مجال
للتوسع. فقد بلغت الصادرات الأردنية إلى دول الاتحاد نحو 624 مليون دينار خلال عام 2025، وبلغت نحو 318 مليون دينار خلال النصف الأول من عام 2026. لذلك يجب أن يكون السؤال الأساسي عند جذب المستثمر الأوروبي هو: ماذا نستطيع أن ننتج في الأردن ونصدره إلى أوروبا؟
أما تحويل الفرص الاستثمارية إلى مشاريع فعلية، فيحتاج إلى جاهزية المشاريع للتمويل، ودراسات جدوى واضحة، ونماذج مالية قابلة للتنفيذ، وتوزيع واضح للمخاطر، وسرعة في الإجراءات الحكومية. كما أن دور المؤسسات المالية الأوروبية والدولية مهم في توفير التمويل وتقليل المخاطر والمساعدة في الوصول إلى الإغلاق المالي.
وعلى مستوى القطاعات، تبدو الطاقة والتعدين من أهم محركات النمو ، ليس فقط بسبب حجم الاستثمارات المطروحة، وإنما بسبب أثرهما على بقية الاقتصاد. فالطاقة منخفضة الكلفة ترفع تنافسية الصناعة، والتعدين يمكن أن يحقق قيمة مضافة أكبر إذا انتقل الأردن من تصدير المواد الخام إلى تصنيعها.
كما تمثل مشاريع النقل والسكك الحديدية والخدمات اللوجستية فرصة لتحويل الموقع الجغرافي للأردن إلى ميزة اقتصادية حقيقية، من خلال تخفيض كلف النقل وربط مناطق الإنتاج بالأسواق والموانئ. أما المياه فهي ليست قضية بيئية فقط، بل أصبحت عاملا محددا للنمو الاقتصادي، ما يجعل مشاريع التحلية وتقليل الفاقد وإعادة استخدام المياه استثمارات استراتيجية.
ويمثل الاقتصاد الرقمي فرصة أخرى ذات أهمية، خصوصا أن الأردن يمتلك قاعدة بشرية مؤهلة يمكن أن تسمح له بتوسيع صادرات الخدمات الرقمية والبرمجيات والذكاء الاصطناعي. أما الهيدروجين الأخضر، فيمكن أن يكون فرصة مستقبلية مهمة، لكن نجاحه يتطلب طاقة متجددة منخفضة الكلفة، ومياها وبنية تحتية وأسواقا طويلة الأجل وتمويلا مناسبا.
مجدداً، نجاح مؤتمر الاستثمار الأردني الأوروبي لا يجب أن يقاس بعدد الفرص التي سيتم الإعلان عنها أو بقيمتها المالية، وإنما بقدرة الأردن على تحويل هذه الفرص إلى مشاريع منتجة. المعيار الحقيقي هو مقدار ما ستضيفه هذه الاستثمارات إلى الناتج المحلي، والصادرات، وفرص العمل، والإنتاجية، ونقل التكنولوجيا، وتقليل فاتورة الاستيراد.