الخارطة السياسية الداخلية لإسرائيل تشير الى أن نتنياهو يتراجع، لكن المعارضة لا زالت منقسمة ولا تمتلك ضمانة تشكيل حكومة مستقرة، في الوقت نفسه لا زالت الحرب مفتوحة والجبهات في غزة ولبنان وإيران وسوريا وحتى الضفة الغربية المحتلة ساخنة، بالتالي جيش الإحتلال يخوض حروب إستنزاف متعددة الجبهات، لا بل إن نُذُر التصعيد واردة في باب المندب بالتالي هناك تصعيد قد يفتح جبهات إقليمية أكثر إتساعا.
قد يحاول نتنياهو تسويق نفسه على أنه الأقدر على إدارة شؤون إسرائيل في ظل البيئة الإقليمية الخطرة السائدة في المنطقة، علماً أن نتنياهو هو نفسه مَنْ إعترف بتعطيل قيام الدولة الفلسطينية منذ إنطلاق علمية السلام في مدريد قبل أكثر من 35 عاما، وهو نفسه الذي إعترف أيضا بمهارته في الإيقاع بين دول المنطقة وإفتعال الأزمات والحروب من أجل الحفاظ على الكيان المحتل آمنا، وهو نفس السبب الذي يعمل من أجله من خلال تخويف دول المنطقة من عودة الإمبراطوريات للسيطرة على دول المنطقة، متناسيا أن إستمرار إحتلال اراضي الفلسطينيين والإعتداءات على دول المنطقة هو مَن أضعف صوت محور الإعتدال ،و أعطى الفرصة للتطرف الديني بالتمدد في المنطقة.
المعضلة الأساسية عند الساسة الإسرائيليين تغييب حقيقة أن إتساع مساحة الجبهات وتمدد الجغرافيا العسكرية، تزيد الكلف الإقتصادية والأمنية والبشرية، وقد يكون فتح جبهة جديدة في الضفة الغربية المحتلة، أخطر نقطة لجهة الإنفجار الشعبي الفلسطيني أمام إرهاب المستوطنين، وإقامة البؤر الإستيطانية على أراضي الفلسطينيين، والدخول في مواجهة مع السلطة الوطنية الفلسطينية التي تظهر رباطة جأش كبيرة في مواجهة الإستفزازات المستمرة لليمين الصهيوني المتشدد في اإسرائيل، بالتالي فإن أي إنفجار متوقع في الضفة لن يبقى محصورا في الجغرافيا الفلسطينية بل ستكون له تداعيات إقليمية واسعة.
وقد تكون استراتيجية "الحرب بلا نهاية " سياسية إسرائيلية مقصودة من أجل تصدير أزمتها الداخلية الى دول المنطقة، خصوصا بعد أحداث السابع من أكتوبر، لكن لننظر الى النتائج التي تلت ذلك، حركة التجارة العالمية وإمدادات الطاقة تعطلت، الإستثمارات في دول المنطقة تراجعت بشكل كبير، التخوفات من سيناريوهات التهجير والضم تتعاظم، السفن وناقلات النفط تسير وسط حقول الألغام، اذا الأمن الدائم لا يتحقق بإستخدام القوة العسكرية، لا بل العكس زادت التحديات والتهديدات وإتسع نطاقها ليشمل واحدة من أكثر المناطق الجغرافية أهمية وحساسية على مستوى العالم.
أردنياً، الثقة تتآكل والتحدي يزداد يوما بعد يوم نتيجة للسياسات الإسرائيلية التي جلبت الدمار في المنطقة، ما جعل الأصوات المحذرة من مستقبل العلاقة مع اسرائيل على المحك، فهناك عدم قدرة على قراءة البيئة الإستراتيجية لمستقبل إسرائيل بصورة صحيحة، وتفريط متعمد بالمنظومة الإقليمية التي عمل الأردن على إستقرارها منذ عدة عقود، والتي تقوم على أساس إقامة الدولة الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس الشرقية على الأرض الفلسطينية، ورفض التهجير بكافة أشكاله ومبرراته.
أما هذا الواقع، وفي ظل هذه المعطيات، لاتحتاج إسرائيل الى تغيير الوجوه والأقنعة، أو اعادة انتاج الحكومة الحالية بتركيبة جديدة، بل تحتاج الى تغيير سياسي جذري يقود الى تغيير في قواعد وأساسات الصراع في المنطقة، وإذا تغيرت الحكومة وبقي الإحتلال والإستيطان والضم والتهجير والحروب المفتوحة قائما، فلا فائدة ترتجى، فالتغيير المنشود يبدأ عندما يدرك المجتمع الإسرائيلي أن الأمن لا يمكن أن يتحقق بالحرب ولغة القوة، وإستقرار المنطقة لن يتحقق سوى بحل سياسي عادل وشامل للقضية الفلسطينية، وهذا هو السؤال الأكثر أهمية بالنسبة لدول المنطقة، من السؤال الإنتخابي ومَن يحكم إسرائيل مستقبلا؟.