المشكلة أن إسرائيل لا تجهل موقف المجتمع الدولي من المستوطنات. فهي تعرف جيداً أن معظم دول العالم تعتبر المستوطنات في الأراضي الفلسطينية المحتلة غير قانونية بموجب القانون الدولي، وتعرف كذلك أن التوسع الاستيطاني يقوض بصورة مباشرة فرص إقامة دولة فلسطينية قابلة للحياة. ومع ذلك، استمر البناء والتوسع لعقود، لأن الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة لم تواجه ثمناً سياسياً واقتصادياً حقيقياً يوازي خطورة ما تفعله على الأرض. وبالتالي، فإن السؤال ليس ما إذا كانت إسرائيل تعرف أن المستوطنات غير قانونية، وإنما ما إذا كانت ستدفع ثمناً حقيقياً للاستمرار في بنائها.
وهنا تكمن محدودية الإجراءات الجديدة. حظر استيراد منتجات المستوطنات، رغم أهميته السياسية والأخلاقية، لن يكون كافياً وحده لتغيير الحسابات الإسرائيلية. فحجم التجارة المرتبطة بالمستوطنات محدود نسبياً مقارنة بحجم التجارة بين إسرائيل والدول الأوروبية، ما يعني أن الأثر الاقتصادي المباشر لهذه الإجراءات قد يكون محدوداً. وقد تنجح إسرائيل ببساطة في استيعاب هذه الخسائر أو إعادة توجيه بعض صادراتها إلى أسواق أخرى، بينما تستمر في بناء المستوطنات وتوسيعها بوتيرة أكبر.
بل إن الخطر الحقيقي هو أن تتحول هذه الخطوة إلى ما يشبه الغطاء السياسي للدول التي اتخذتها: تقول إنها فعلت شيئاً، بينما تستمر الوقائع على الأرض في التحول لمصلحة المشروع الاستيطاني. وهذا هو السيناريو الذي يجب تجنبه. لأن الاستيطان لا يقوم على تصدير المنتجات الزراعية أو التجارية فقط، وإنما على منظومة كاملة من التخطيط والتمويل والبناء والطرق والبنية التحتية والخدمات والاستثمارات، وهي منظومة تجعل المستوطنات جزءاً متزايداً من الواقع الدائم الذي تسعى إسرائيل إلى فرضه في الضفة الغربية.
إذا كانت بريطانيا وفرنسا والدول الأوروبية الأخرى جادة فعلاً في وقف التوسع الاستيطاني، فعليها إذن أن تنتقل من استهداف المنتجات إلى استهداف المنظومة التي تجعل الاستيطان ممكناً ومربحاً. وهذا يعني فرض عقوبات على الشركات التي تشارك في بناء المستوطنات أو توسعة بنيتها التحتية، وعلى الجهات المالية التي تمول هذه المشاريع، وعلى المؤسسات الاستثمارية التي تستفيد منها، إضافة إلى فرض قيود على الأفراد والمنظمات التي تقود أو تدعم التوسع الاستيطاني بصورة مباشرة.
كما يجب أن تكون هناك آلية واضحة للتصعيد. فإذا استمرت إسرائيل في بناء المستوطنات رغم الإجراءات الحالية، فيجب أن تكون الخطوة التالية أقوى وأسرع، لا أن تبدأ الدول من جديد في إصدار البيانات والتحذيرات والدعوات إلى ضبط النفس. فالعقوبات التي لا تتصاعد عندما يستمر الانتهاك تتحول في نهاية المطاف إلى رسالة معاكسة تماماً: بإمكان إسرائيل تحملها ومواصلة سياستها في الوقت نفسه.
والأمر لا يتعلق فقط بعدد المنازل التي تبنى هنا أو هناك. الاستيطان جزء من مشروع سياسي وجغرافي أوسع لإعادة رسم واقع الضفة الغربية، والسيطرة على الأراضي، وتقطيع أوصال التجمعات الفلسطينية، وخلق مناطق نفوذ إسرائيلية تحول دون قيام دولة فلسطينية متصلة جغرافياً وقابلة للحياة. وكلما توسعت المستوطنات والطرق والبنية التحتية المرتبطة بها، أصبحت عملية تفكيك هذا الواقع أكثر صعوبة، وأصبح حل الدولتين الذي ما زالت الدول الأوروبية تقول إنها تؤيده أقل قابلية للتطبيق.
وهنا تحديداً ينبغي أن تدرك أوروبا أن حماية حل الدولتين لا يمكن أن تكون منفصلة عن مواجهة الاستيطان. لا يمكن للدول الأوروبية أن تعلن التزامها بقيام دولة فلسطينية، ثم تكتفي بإجراءات محدودة بينما تستمر إسرائيل في تغيير الخريطة التي يفترض أن تقوم عليها هذه الدولة. فالسياسة التي لا تتعامل مع أصل المشكلة ستظل عاجزة عن معالجة نتائجها.
وإذا كانت هذه الدول تريد أن تكون رسالتها مقنعة، فعليها أيضاً أن تراجع طبيعة علاقاتها الاقتصادية مع إسرائيل عندما يستمر انتهاك القانون الدولي. ليس المقصود بالضرورة قطع العلاقات أو فرض عقوبات شاملة، وإنما استخدام الأدوات الاقتصادية والسياسية المتاحة بصورة تدريجية ومشروطة. كلما توسع الاستيطان، يجب أن ترتفع الكلفة. وكلما تراجعت إسرائيل عن التوسع واحترمت التزاماتها، يمكن تخفيف الإجراءات. هذه هي الطريقة التي تعمل بها سياسة الضغط الفعالة: حوافز وعواقب واضحة، وليست مجرد مواقف رمزية.
لقد أثبتت العقود الماضية أن الإدانات وحدها لم توقف الاستيطان، وأن البيانات الدبلوماسية لم تمنع بناء مستوطنات جديدة. ما أوقف أو أبطأ سياسات الدول في أماكن أخرى لم يكن الخطاب الأخلاقي وحده، بل وجود كلفة سياسية واقتصادية حقيقية للاستمرار في السلوك المخالف للقانون الدولي.
لذلك، فإن الخطوة البريطانية والفرنسية والكندية والأوروبية مرحب بها، لكنها يجب أن تكون بداية لا نهاية. المطلوب ليس مجرد منع دخول بعض منتجات المستوطنات إلى الأسواق الأوروبية، وإنما بناء سياسة متكاملة تجعل الاستيطان مكلفاً سياسياً واقتصادياً وقانونياً، وتمنع الشركات والمؤسسات الأوروبية من أن تصبح شريكاً، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، في ترسيخ هذا المشروع.
فالاختبار الحقيقي لهذه العقوبات ليس ما إذا كانت ستمنع دخول بعض الصناديق والمنتجات إلى الأسواق الأوروبية، وإنما ما إذا كانت ستجعل الحكومة الإسرائيلية تعيد حساباتها قبل أن تصدر قراراً جديداً ببناء مستوطنة أو توسيع أخرى. وإذا لم تصل الرسالة إلى هذه المرحلة، فستبقى العقوبات مجرد إجراء شكلي آخر في سجل طويل من الإجراءات التي أثارت الضجيج السياسي، لكنها لم تغير شيئاً جوهرياً على الأرض.