وتتوقف فائدة التعداد بالدرجة الأولى على دقة البيانات التي يخرج بها، وهنا يصبح تعاون المواطنين عاملاً أساسياً في نجاحه، فالتقنيات الحديثة والاستعدادات الميدانية مهما بلغت أهميتها لا تكفي وحدها إذا لم تقابلها استجابة إيجابية من الأسر ودقة في تقديم المعلومات، مع التركيز على انه لا ينبغي النظر إلى أي تردد في التعامل مع موظفي التعداد باعتباره رفضاً للتعاون، فقد يكون السبب بذلك يعود لعدم معرفة الغاية من بعض الأسئلة وفهم أسبابها ، أو القلق بشأن سرية المعلومات، أو ببساطة عدم إدراك الصلة بين البيانات التي تقدمها الأسرة والقرارات التي تتخذها الدولة والتي تمس حياتها ومجتمعها.
وهنا تبرز أهمية أن تكون الغاية من التعداد واضحة للناس، فإجابة المواطن عن أسئلة تتعلق بأسرته تصبح أكثر معنى عندما يعرف أن البيانات التي تجمع من مختلف أنحاء المملكة تساعد على معرفة أين تزداد الحاجة إلى مدرسة أو مركز صحي، وأين تتغير أنماط السكن والنقل، وأين تحتاج البنية التحتية إلى التوسع، وما التحولات التي تشهدها المدن والمحافظات، فكل أسرة تقدم معلوماتها تسهم في بناء معرفة أدق بالواقع كما هو للمسؤول، وليس كما نفترضه، وكلما أدرك المواطن الصلة بين المعلومات التي يقدمها وبين التخطيط الذي يستفيد منها، أصبحت مشاركته مرتبطة بهدف واضح تتجاوز مجرد استكمال متطلبات التعداد.
كما يرتبط الاستعداد للتعاون بمدى معرفة المواطن بما ينتظره عند إجراء التعداد، فمعرفته مسبقاً بطبيعة المعلومات المطلوبة، والوقت الذي تستغرقه العملية، وكيفية الحفاظ على سرية البيانات والتحقق من هوية الباحث الميداني، تقلل من التساؤلات التي قد تراوده وتجعله أكثر استعداداً للتعاون، ويضاف إلى ذلك خيار التعبئة الذاتية إلكترونياً من خلال تطبيق سند، الذي يمنح الأسر وسيلة أخرى لإنجاز التعداد، فكلما كان المطلوب واضحاً وسهلاً، أصبح القيام به أكثر احتمالاً.
وخلال فترة إجراء التعداد، يمكن أن تصبح أرقام المشاركة نفسها عاملاً مشجعاً على المزيد من التعاون، فنشر أرقام دقيقة بشكل دوري توضح عدد الأسر التي أنجزت التعداد حتى ذلك الوقت، يتيح للناس معرفة أن أعداداً كبيرة من الأسر في مختلف أنحاء المملكة قد شاركت بالفعل، فالإنسان يتأثر في كثير من الأحيان بما يراه شائعاً من حوله، وعندما يرى أن الآخرين يتعاونون مع التعداد يصبح الأمر أكثر اعتيادية، ويتعزز الشعور بأنه جهد وطني يشارك فيه الجميع، وليس مجرد إجراء تقوم به جهة رسمية.
فالتعداد ليس مجرد عملية إحصائية تنتهي بإعلان عدد السكان، بل هو أداة تساعد على معرفة احتياجات المجتمع والاستعداد لها، وكلما كانت بياناته أدق أصبحت القرارات المبنية عليها أقرب إلى الواقع، ومن هنا فإن نجاحه لا يعتمد على جودة الاستعداد والتنفيذ وحدهما، بل على تعاون الناس وفهمهم لأهمية ما يقدمونه من معلومات، لأن التخطيط الأفضل للمستقبل يبدأ من معرفة أدق بالحاضر.