في أول زيارة لحبر أعظم إلى الأراضي المقدسة في العصر الحديث، اختتم البابا بولس السادس حجه التاريخي الذي بدأ في عمان يوم 4 كانون الثاني 1964، بلقاء سياسي وإنساني في القدس.
فبعد أن كان في استقباله في مطار عمان الملك الحسين بن طلال، وانتقل براً إلى القدس الشرقية التي كانت آنذاك تحت السيادة الأردنية، وزار كنيسة القيامة وجبل الزيتون، توجه أمين القدس السيد روحي الخطيب إلى مقر القاصدية الرسولية وسلم رسالة وداع باسم أهل المدينة.
وجاء في عنوان الرسالة: "من أهل القدس إلى قداسة البابا قبل مغادرة رحابهم"، وقدمها السيد روحي الخطيب أمين القدس بالنيابة عن أهل القدس مسلمين ومسيحيين، لاجئين ومقيمين، تمنى فيها لقداسته حجة مباركة وعودة حميدة وتوفيقاً في نشر رسالة الحق والعدل والإخاء والسلام.
وقال:"لقد شاهدتم واستنكرتم، كما شاهد معكم كبار رجال الدين الذين رافقوكم، ومئات رجال الصحافة والإذاعة والتلفزيون الذين توافدوا طائرين من كافة أنحاء المعمورة لينقلوا إلى ذويهم أخبار هذه الزيارة الكريمة. لقد شاهدتم وإياهم ولا شك وجه هذا البلد الحر على حقيقته، ووقفتم على مدى ما لحق بأهله من إرهاب وقتل وتدمير، واغتصاب للوطن والمال وتشريد لمن بقي من الأهل والسكان على أيدي نفس العصابة المنظمة التي تآمرت على المسيح عليه السلام، وأنزلت به القتل ومر العذاب والتشريد والآلام".
وأضاف: "وإلى جانب ذلك، فإنكم وكلكم من رجال الدين والفكر والنشر، لا شك أنكم لمستم أيضاً المستوى الرفيع من التعاون الأخوي بين أبناء الطائفتين المقيمين في البلاد، المسيحيين منهم والمسلمين، ومثل تمسكهم المتين بعقيدتهم، وتعلقهم بوطنهم وخاصة المقدس منه، وإيمانهم بعدالة قضيتهم، وعقدهم العزم على بذل الجهود في سبيل بناء مستقبلهم والتغلب على الآثار التي خلفتها لهم النكبة".
وكتأكيد على الوصاية الهاشمية الموصولة، جاء في الرسالة أن أهل القدس في كل ذلك وراء قائد شجاع، ومليك ساهر على مصلحة الشعب وسؤدده، راعٍ للعهد، حفي بزواره، حفي بالأصدقاء، وحامٍ وصائن للمقدسات وما حولها، معتز بأمته وشعبه، ويبادله الجميع نفس المشاعر وصادق الولاء.
الرسالة التي سلمها الخطيب (وهو أمين القدس) تؤكد أن المسلمين والمسيحيين في القدس يعيشون تعاوناً أخوياً وتمسكاً بالعقيدة وتعلقاً بالوطن.
وتظهر الرسالة جهود الملك الحسين قائداً شجاعاً وحامياً للمقدسات، في وقت كانت فيه القدس الشرقية تحت الإدارة الأردنية.
وتختم الرسالة بأمل سياسي واضح: "أن تكون الزيارة البابوية في صالح قضية فلسطين وقضية المشردين".
بعد أربع سنوات، سيعود الخطيب نفسه إلى الفاتيكان عام 1968 ليشرح للبابا بولس السادس الخطر الصهيوني على المقدسات، مواصلاً نفس الخطاب الذي بدأه في رسالة الوداع هذه، التي جعلت من الأردن والقدس أول محطة في تاريخ الحج البابوي الحديث ولتبرز هذه الرسالة جانباً من إرث الوصاية الهاشمية الموصولة حتى اليوم منذ عهد الشريف الحسين بن علي حتى عهد الملك عبدالله الثاني بن الحسين.