لكن القيمة الأهم قد لا تكون في المشروع نفسه فقط، بل في الاقتصاد الذي يمكن أن ينشأ حوله. فالطريق ليس مجرد طريق إذا استطاع أن يخلق ممراً لوجستياً وصناعة جديدة، ومشروع الطاقة لا تقاس قيمته فقط بقدرته الإنتاجية إذا أصبح سبباً في توطين استثمارات صناعية، ومشروع المياه لا ينتهي عند توفير المورد إذا فتح المجال أمام نشاط إنتاجي لم يكن ممكناً من قبل. هنا تحديداً أعتقد أن المرحلة المقبلة من التحديث الاقتصادي تستطيع أن تنتقل من مفهوم تنفيذ المشاريع إلى مفهوم أعمق: صناعة الأسواق حول المشاريع.
ومن هنا يمكن إضافة معيار جديد إلى تقييم المشاريع العامة. نحن نقيس عادة كلفة المشروع ونسبة الإنجاز والمدة الزمنية، وهي معايير ضرورية، لكن يمكن أن نضيف إليها سؤالاً اقتصادياً أكثر أهمية: ما حجم رأس المال الخاص الذي استطاع المشروع العام تحريكه؟ الطريق الذي يفتح منطقة جديدة للاستثمار، على سبيل المثال، لا ينبغي تقييمه فقط وفق كلفة إنشائه أو عدد المركبات التي تستخدمه، بل وفق المصانع والمستودعات والخدمات والاستثمارات التي نشأت نتيجة وجوده. عندها يصبح لدينا ما يمكن تسميته "مضاعف الاستثمار": قدرة الدينار المستخدم في البنية الأساسية على استدعاء دنانير أخرى من القطاع الخاص.
ويمكن تطبيق الفكرة نفسها على طريقة تسويق الأردن استثمارياً. المنافسة العالمية على رأس المال لم تعد قائمة على الإعفاء الضريبي وحده؛ المستثمر يريد قبل ذلك أن يعرف متى يستطيع أن يبدأ الإنتاج. ولذلك يمكن الانتقال تدريجياً من عرض فرص استثمارية إلى تقديم منتجات استثمارية جاهزة: أرض محسومة الاستخدام، وطاقة ومياه معروفتا القدرة والكلفة، وربط لوجستي واضح، ومتطلبات تنظيمية منشورة مسبقاً، ومسار ترخيص يمكن توقع مدته. هنا تصبح السرعة نفسها حافزاً استثمارياً. فكل شهر يختصر بين اتخاذ القرار وضخ أول إنتاج هو تخفيض فعلي في كلفة رأس المال، حتى لو لم تمنح الدولة المستثمر ديناراً واحداً من الإعفاءات.
وهذا يقود إلى فكرة أوسع أعتقد أنها تستحق أن تدخل قاموس التحديث الاقتصادي الأردني: "اقتصاد اليقين". رأس المال يستطيع احتساب الضريبة والأجور والطاقة والشحن، لكنه يضع سعراً مرتفعاً لما لا يستطيع توقعه. لذلك فإن وضوح القرار التنظيمي واستقرار الإجراءات وتحديد المدد الزمنية ليست مسائل إدارية هامشية، بل أصول اقتصادية للدولة. وإذا استطاع الأردن أن يجعل قابلية التنبؤ والسرعة ميزتين تنافسيتين، فإنه يستطيع منافسة اقتصادات أكبر منه حجماً، لأن المستثمر لا يختار السوق الأكبر دائماً؛ أحياناً يختار السوق الذي يستطيع فهمه والدخول إليه والعمل فيه بأقل قدر من المفاجآت.
أما التحول الآخر المطلوب فهو إعادة النظر في مفهوم رأس المال المحلي. الحديث عن الاستثمار غالباً ما يقودنا مباشرة إلى المستثمر الأجنبي، مع أن الاقتصاد الذي يريد بناء قاعدة نمو مستقرة يحتاج أيضاً إلى جعل أمواله المحلية أكثر حركة. المطلوب ليس دفع المدخرات إلى مخاطرات غير محسوبة، وإنما توسيع الأدوات التي تنقل رأس المال من الادخار إلى الإنتاج: صناديق متخصصة، وأدوات تمويل للشركات والمشاريع والبنية التحتية، وأسواق رأسمال أكثر عمقاً، ونماذج تسمح للمستثمر المؤسسي بالمشاركة في الاقتصاد الحقيقي وفق قواعد رقابية حصيفة. الاقتصاد لا يكبر فقط عندما يدخل إليه مال جديد من الخارج؛ يكبر أيضاً عندما يصبح المال الموجود داخله أكثر قدرة على الحركة.
وهناك أداة اقتصادية ضخمة يمكن استخدامها بصورة أكثر استراتيجية: المشتريات الحكومية. الدولة مشترٍ كبير للسلع والخدمات والتكنولوجيا، ولذلك تستطيع ضمن قواعد المنافسة والشفافية أن تجعل جزءاً من طلبها محركاً للابتكار والتوسع. عندما تحصل شركة أردنية على عقد تنافسي يتطلب مستوى مرتفعاً من التكنولوجيا أو الجودة، فإنها لا تحصل على إيراد فقط؛ تحصل على سجل أعمال وخبرة وقدرة قد تسمح لها بالدخول إلى أسواق أخرى. وبهذا يصبح الإنفاق الحكومي أداة لبناء شركات تستطيع لاحقاً الاستغناء عن السوق الحكومي نفسه والمنافسة خارج الأردن. النجاح هنا ليس في حماية المنتج المحلي من المنافسة، وإنما في استخدام الطلب المحلي لجعله قادراً على المنافسة.
ما تقوم به الحكومة اليوم يؤشر إلى نهج اقتصادي أكثر ترابطاً؛ مشروع يقود إلى استثمار، وبنية تحتية تفتح مساحة للنمو، وشراكة تمنح القطاع الخاص دوراً أكبر في التمويل والتنفيذ. وهذا هو الاتجاه الذي يحتاجه الاقتصاد الأردني: حكومة لا تكتفي بإدارة المشاريع، بل تستخدمها لتوسيع السوق ورفع الإنتاجية وتحريك رأس المال. استمرار هذا النهج وتحويله إلى قاعدة ثابتة في القرار الاقتصادي كفيلان بأن يجعلا التحديث الاقتصادي انتقالاً فعلياً في بنية الاقتصاد وليس مجرد برنامج ينتهي بانتهاء مشاريعه.
محامٍ وخبير قانوني