هذا السؤال بات ملحّاً للغاية، وعلينا من الآن أن نستعد للإجابة عليه عملياً بشكل عملي، فإن جاءت الانتخابات الإسرائيلية المقبلة بغادي إيزنكوت إلى رئاسة الحكومة، فلن يكون ذلك مجرد تغيير في اسم رئيس الوزراء، بل انتقالاً من 'إسرائيل نتنياهو' إلى إسرائيل أخرى مختلفة في الأسلوب والعقلية، ولن تكون بالضرورة مختلفة جذرياً في موقفها من القضية الفلسطينية.
إيزنكوت ليس سياسياً أصلاً، فهو جنرال محترف ورئيس أركان سابق للجيش الإسرائيلي، تكوّنت شخصيته داخل المؤسسة الأمنية التي ترى إسرائيل دولة محاطة بالتهديدات، لكن الأمن بالنسبة له لا يعني الحرب فقط، وبخاصة بعد مقتل ابنه 'غال إيزنكوت'، الذي قُتل في غزة في السابع من ديسمبر 2023، وإنما بناء علاقات إقليمية ودولية تحمي إسرائيل على المدى الاستراتيجي والطويل، ولهذا فإن النظر لإيزنكوت باعتباره 'رجل سلام' سيكون خطأً، كما أن اعتباره نسخة أخرى من نتنياهو سيكون خطأً أكبر، فإيزنكوت ليس نتنياهو، لكنه أيضاً ليس حمامة سلام.
إيزنكوت لا يؤيد حل الدولتين، ويرى أن الظروف التي أعقبت السابع من أكتوبر جعلت الحديث عن حل الدولتين أكثر تعقيداً، وفي الوقت نفسه، لا يبدو مستعداً لتبني مشروع الضم الشامل أو تحويل إسرائيل إلى دولة مواجهة دائمة مع العالم العربي والمجتمع الدولي، وهنا يكمن الفرق الأساسي عن نتنياهو، فنتنياهو بنى استراتيجيته على إدارة الصراع وإبقائه مفتوحاً، والاستفادة من الانقسام الفلسطيني وتنامي قوة اليمين والاستيطان. أما إيزنكوت فيبدو أكثر اقتناعاً بأن إدارة الصراع إلى ما لا نهاية أصبحت خطراً استراتيجياً على إسرائيل، خصوصاً بعد السابع من أكتوبر، لكن هذا لا يعني أنه يملك مشروعاً واضحاً لإنهاء الصراع، وأعتقد أنه يريد تغيير طريقة إدارة الصراع قبل البحث عن نهايته.
وهنا يظهر الفارق الأكبر بينه وبين إيتمار بن غفير وبتسلئيل سموتريتش، فهذان يمثلان تياراً يمينياً قومياً متشدداً يرى في توسيع الاستيطان وتعزيز السيطرة الإسرائيلية على الضفة جزءاً من المشروع الإسرائيلي، أما إيزنكوت فينظر إلى مثل هذه السياسات من زاوية أمنية واستراتيجية، ويرى أن استمرارها قد يعزل إسرائيل ويزيد الأخطار عليها.
أما نحن في الأردن، فيجب أن ننظر إلى إيزنكوت باعتباره فرصة واختباراً في آن واحد، فإيزنكوت يدرك أهمية الأردن أمنياً واستراتيجياً، ويرى أن العلاقات مع عمّان ومصر ودول الخليج يمكن أن تشكل جزءاً من منظومة إقليمية، وهذا يعني أنه قد يكون أكثر استعداداً للحوار البناء والمثمر مع الأردن من حكومة نتنياهو، لكن الحوار معه سيكون محكوماً أيضاً بعقلية أمنية واضحة، أساسها الأمن والمصالح الأمنية.
ومن هنا ينبغي أن لا ننتظر ما سيفعله إيزنكوت، بل علينا أن نحدد منذ الآن أجندة التعامل معه والملفات الساخنة التي يجب أن تتصدر تلك الأجندة، ألا وهي ثلاثة ملفات أساسية:
أولاً: منع أي محاولة لتهجير الفلسطينيين من غزة أو الضفة، واعتبار ذلك خطاً أحمر أردنياً، وأن التهجير سيكون بمثابة اغتيال لاتفاق السلام.
ثانياً: منع انهيار السلطة الفلسطينية وتحويل الضفة إلى تجمعات معزولة تحاصرها المستوطنات.
ثالثاً: ربط أي تعاون إقليمي جديد بتحقيق أفق سياسي للقضية الفلسطينية، بحيث لا يتحول التعاون الأمني بين إسرائيل والدول العربية إلى بديل عن الحل السياسي.
قد لا يكون إيزنكوت مستعداً اليوم لقبول دولة فلسطينية، لكنه يدرك، بحكم خلفيته العسكرية، أن إسرائيل لا تستطيع أن تعيش إلى الأبد في حرب مفتوحة مع محيطها، ولا أن تحافظ على قوتها الاستراتيجية وهي تخسر علاقاتها الدولية والإقليمية.
لذلك، إذا جاء إيزنكوت فينبغي أن لا نتعامل معه باعتباره نتنياهو أقل تطرفاً، ولا عيزرا وايزمان جديداً، فهو جنرال براغماتي يمكن اختباره ويمكنه اتخاذ قرارات جريئة، والمهم أن لا ننتظر منه أن يتبنى الرؤية الأردنية، بل تعزيز القناعة في عقله بأن أمن إسرائيل لا يمكن فصله عن أمن الأردن والمنطقة، وأن أمن الأردن والمنطقة واستقرار المنطقة لا يمكن فصلهما عن مستقبل الشعب الفلسطيني، وهنا تحديداً سيكون الاختبار الحقيقي لإيزنكوت، هل يستطيع أن يحول عقليته العسكرية والأمنية إلى رؤية سياسية جديدة، أم سيبقى أسيراً للمعادلة الصراعية القديمة التي أثبتت السنوات الماضية أنها عاجزة عن إنتاج السلام أو الأمن، وهل لديه الشجاعة لأن يكون رابين آخر؟؟
Rajatalab5@gmail.com
إيزنكوت ليس سياسياً أصلاً، فهو جنرال محترف ورئيس أركان سابق للجيش الإسرائيلي، تكوّنت شخصيته داخل المؤسسة الأمنية التي ترى إسرائيل دولة محاطة بالتهديدات، لكن الأمن بالنسبة له لا يعني الحرب فقط، وبخاصة بعد مقتل ابنه 'غال إيزنكوت'، الذي قُتل في غزة في السابع من ديسمبر 2023، وإنما بناء علاقات إقليمية ودولية تحمي إسرائيل على المدى الاستراتيجي والطويل، ولهذا فإن النظر لإيزنكوت باعتباره 'رجل سلام' سيكون خطأً، كما أن اعتباره نسخة أخرى من نتنياهو سيكون خطأً أكبر، فإيزنكوت ليس نتنياهو، لكنه أيضاً ليس حمامة سلام.
إيزنكوت لا يؤيد حل الدولتين، ويرى أن الظروف التي أعقبت السابع من أكتوبر جعلت الحديث عن حل الدولتين أكثر تعقيداً، وفي الوقت نفسه، لا يبدو مستعداً لتبني مشروع الضم الشامل أو تحويل إسرائيل إلى دولة مواجهة دائمة مع العالم العربي والمجتمع الدولي، وهنا يكمن الفرق الأساسي عن نتنياهو، فنتنياهو بنى استراتيجيته على إدارة الصراع وإبقائه مفتوحاً، والاستفادة من الانقسام الفلسطيني وتنامي قوة اليمين والاستيطان. أما إيزنكوت فيبدو أكثر اقتناعاً بأن إدارة الصراع إلى ما لا نهاية أصبحت خطراً استراتيجياً على إسرائيل، خصوصاً بعد السابع من أكتوبر، لكن هذا لا يعني أنه يملك مشروعاً واضحاً لإنهاء الصراع، وأعتقد أنه يريد تغيير طريقة إدارة الصراع قبل البحث عن نهايته.
وهنا يظهر الفارق الأكبر بينه وبين إيتمار بن غفير وبتسلئيل سموتريتش، فهذان يمثلان تياراً يمينياً قومياً متشدداً يرى في توسيع الاستيطان وتعزيز السيطرة الإسرائيلية على الضفة جزءاً من المشروع الإسرائيلي، أما إيزنكوت فينظر إلى مثل هذه السياسات من زاوية أمنية واستراتيجية، ويرى أن استمرارها قد يعزل إسرائيل ويزيد الأخطار عليها.
أما نحن في الأردن، فيجب أن ننظر إلى إيزنكوت باعتباره فرصة واختباراً في آن واحد، فإيزنكوت يدرك أهمية الأردن أمنياً واستراتيجياً، ويرى أن العلاقات مع عمّان ومصر ودول الخليج يمكن أن تشكل جزءاً من منظومة إقليمية، وهذا يعني أنه قد يكون أكثر استعداداً للحوار البناء والمثمر مع الأردن من حكومة نتنياهو، لكن الحوار معه سيكون محكوماً أيضاً بعقلية أمنية واضحة، أساسها الأمن والمصالح الأمنية.
ومن هنا ينبغي أن لا ننتظر ما سيفعله إيزنكوت، بل علينا أن نحدد منذ الآن أجندة التعامل معه والملفات الساخنة التي يجب أن تتصدر تلك الأجندة، ألا وهي ثلاثة ملفات أساسية:
أولاً: منع أي محاولة لتهجير الفلسطينيين من غزة أو الضفة، واعتبار ذلك خطاً أحمر أردنياً، وأن التهجير سيكون بمثابة اغتيال لاتفاق السلام.
ثانياً: منع انهيار السلطة الفلسطينية وتحويل الضفة إلى تجمعات معزولة تحاصرها المستوطنات.
ثالثاً: ربط أي تعاون إقليمي جديد بتحقيق أفق سياسي للقضية الفلسطينية، بحيث لا يتحول التعاون الأمني بين إسرائيل والدول العربية إلى بديل عن الحل السياسي.
قد لا يكون إيزنكوت مستعداً اليوم لقبول دولة فلسطينية، لكنه يدرك، بحكم خلفيته العسكرية، أن إسرائيل لا تستطيع أن تعيش إلى الأبد في حرب مفتوحة مع محيطها، ولا أن تحافظ على قوتها الاستراتيجية وهي تخسر علاقاتها الدولية والإقليمية.
لذلك، إذا جاء إيزنكوت فينبغي أن لا نتعامل معه باعتباره نتنياهو أقل تطرفاً، ولا عيزرا وايزمان جديداً، فهو جنرال براغماتي يمكن اختباره ويمكنه اتخاذ قرارات جريئة، والمهم أن لا ننتظر منه أن يتبنى الرؤية الأردنية، بل تعزيز القناعة في عقله بأن أمن إسرائيل لا يمكن فصله عن أمن الأردن والمنطقة، وأن أمن الأردن والمنطقة واستقرار المنطقة لا يمكن فصلهما عن مستقبل الشعب الفلسطيني، وهنا تحديداً سيكون الاختبار الحقيقي لإيزنكوت، هل يستطيع أن يحول عقليته العسكرية والأمنية إلى رؤية سياسية جديدة، أم سيبقى أسيراً للمعادلة الصراعية القديمة التي أثبتت السنوات الماضية أنها عاجزة عن إنتاج السلام أو الأمن، وهل لديه الشجاعة لأن يكون رابين آخر؟؟
Rajatalab5@gmail.com