الهوية، في أحد أعمق معانيها، هي وعي بالذات وبالمصير التاريخي المشترك، وهي منظومة من القيم والمعاني التي تتشكل داخل المجتمع، وتعبّر عن موقع القيم الروحية والإنسانية في بنيته، وتفعّل السمات والمصالح المشتركة التي تحدد توجهات الناس وأهدافهم.
وعند الوقوف على مسألة الهوية في دولنا الوطنية، نجد نماذج متعددة تعكس حجم الإشكالية وتعقيدها. ولعل لبنان من أبرز الأمثلة، إذ عانى، على امتداد عقود من تاريخه، أزمة هوية حادة ولا زالت، انعكست في صياغة ميثاقه الوطني ومحاولات البحث عن صيغة مشتركة بين مكوناته ومرجعياته المختلفة.
وفي هذا السياق، جاء في خطاب رئيس الوزراء اللبناني رياض الصلح عام 1943: 'إن لبنان ذو وجه عربي يستسيغ الخير النافع من حضارة الغرب'.
وظلت هذه العبارة تتردد على ألسنة اللبنانيين حتى سبعينيات القرن الماضي، بوصفها تعبيرًا عن صيغة مشتركة للهوية، تجمع بين الانتماء العربي والاستفادة من الحضارة الغربية. إلا أن هذه الصيغة تعرضت لاحقًا للاهتزاز، ونسفتها إلى حد بعيد الأحداث والتحولات التي شهدها لبنان.
ولا تقتصر مسألة الهوية على نموذج بعينه؛ فاختيار الأوطان لأشكال إقليمية حينًا، وأشكال جامعة وعروبية حينًا آخر، ظل موضع جدل بين أبناء الوطن الواحد.
فالعروبة لم تتناقض يومًا مع مفاهيم الدول الوطنية، وإنما حين تحولت إلى عقائد سياسية، واتخذت أشكالًا حزبية ضيقة، هوت إلى أطر محدودة وبقيت حبيسة لها، وفقدت شيئًا من معناها الأوسع بوصفها إطارًا ثقافيًا وحضاريًا جامعًا.
إن العروبة، بهذا المعنى، ليست بالضرورة مشروعًا سياسيًا، ولا صيغة للحكم، وإنما هي تراكم تاريخي وثقافي ولغوي وحضاري تشكل عبر قرون، وأسهم في صياغة الذاكرة المشتركة لشعوب المنطقة.
وتبقى الرموز واللغة والجغرافيا ويوميات الناس في مجتمعنا العربي هي الوجه الحقيقي لهذه الهوية العربية الجامعة، من دون أن ننزلها إلى مقام التأطير السياسي أو الحزبي.
فالهوية في نهاية المطاف هي مجموعة الخصائص والسمات التي تتشكل عبر التاريخ، والتي تميز أبناء وطن أو مجتمع معين عن أبناء الأوطان والمجتمعات الأخرى، وتجعلهم يعرفون أنفسهم وينتمون إلى ذواتهم الجمعية، دون أن يعني ذلك الانغلاق أو رفض الآخر.
ومن هنا، فإن الهوية الوطنية والعروبة ليستا بالضرورة مسارين متعارضين، بل يمكن أن تتكاملا ضمن رؤية تحافظ على خصوصية الدولة الوطنية، وتصون في الوقت ذاته الامتداد العربي الثقافي والحضاري والتاريخي.
ونحن في الأردن، لطالما رأينا أننا في وطن هويته الأردنية متجذرة، نعتز بخصوصيتها وامتدادها في الوقت ذاته إلى مشروع عروبي نهضوي نقي في مراميه وقيمه، وموصول بإرث الثورة العربية الكبرى.
إن مسألة الهوية اليوم ليست نقاشًا حول الماضي فحسب، وإنما هي سؤال عن المستقبل أيضًا. فالمجتمعات التي تضعف فيها الهوية الجامعة تصبح أكثر عرضة للانقسام والتشظي، بينما تمنح الهوية المتوازنة الدولة الوطنية مناعتها، وتحفظ للمجتمع تماسكه، وتفتح أمامه في الوقت ذاته فضاءً أوسع من الانتماء الثقافي والحضاري.
ولعل ما نحتاجه اليوم هو أن نعيد للهوية معناها الجامع؛ أن نتمسك بالدولة الوطنية باعتبارها إطارًا للمواطنة، ونستعيد العروبة باعتبارها امتدادًا ثقافيًا وحضاريًا وتاريخيًا، بعيدًا عن التوظيف الحزبي والسياسي.
فالهوية التي تبقى حيّة هي تلك التي تتصالح مع تاريخها، وتحفظ خصوصيتها، وتنفتح على محيطها، وتمنح أبناءها القدرة على النظر إلى المستقبل بثقة، دون أن يضطروا إلى الاختيار بين وطنهم وعروبتهم.
وعند الوقوف على مسألة الهوية في دولنا الوطنية، نجد نماذج متعددة تعكس حجم الإشكالية وتعقيدها. ولعل لبنان من أبرز الأمثلة، إذ عانى، على امتداد عقود من تاريخه، أزمة هوية حادة ولا زالت، انعكست في صياغة ميثاقه الوطني ومحاولات البحث عن صيغة مشتركة بين مكوناته ومرجعياته المختلفة.
وفي هذا السياق، جاء في خطاب رئيس الوزراء اللبناني رياض الصلح عام 1943: 'إن لبنان ذو وجه عربي يستسيغ الخير النافع من حضارة الغرب'.
وظلت هذه العبارة تتردد على ألسنة اللبنانيين حتى سبعينيات القرن الماضي، بوصفها تعبيرًا عن صيغة مشتركة للهوية، تجمع بين الانتماء العربي والاستفادة من الحضارة الغربية. إلا أن هذه الصيغة تعرضت لاحقًا للاهتزاز، ونسفتها إلى حد بعيد الأحداث والتحولات التي شهدها لبنان.
ولا تقتصر مسألة الهوية على نموذج بعينه؛ فاختيار الأوطان لأشكال إقليمية حينًا، وأشكال جامعة وعروبية حينًا آخر، ظل موضع جدل بين أبناء الوطن الواحد.
فالعروبة لم تتناقض يومًا مع مفاهيم الدول الوطنية، وإنما حين تحولت إلى عقائد سياسية، واتخذت أشكالًا حزبية ضيقة، هوت إلى أطر محدودة وبقيت حبيسة لها، وفقدت شيئًا من معناها الأوسع بوصفها إطارًا ثقافيًا وحضاريًا جامعًا.
إن العروبة، بهذا المعنى، ليست بالضرورة مشروعًا سياسيًا، ولا صيغة للحكم، وإنما هي تراكم تاريخي وثقافي ولغوي وحضاري تشكل عبر قرون، وأسهم في صياغة الذاكرة المشتركة لشعوب المنطقة.
وتبقى الرموز واللغة والجغرافيا ويوميات الناس في مجتمعنا العربي هي الوجه الحقيقي لهذه الهوية العربية الجامعة، من دون أن ننزلها إلى مقام التأطير السياسي أو الحزبي.
فالهوية في نهاية المطاف هي مجموعة الخصائص والسمات التي تتشكل عبر التاريخ، والتي تميز أبناء وطن أو مجتمع معين عن أبناء الأوطان والمجتمعات الأخرى، وتجعلهم يعرفون أنفسهم وينتمون إلى ذواتهم الجمعية، دون أن يعني ذلك الانغلاق أو رفض الآخر.
ومن هنا، فإن الهوية الوطنية والعروبة ليستا بالضرورة مسارين متعارضين، بل يمكن أن تتكاملا ضمن رؤية تحافظ على خصوصية الدولة الوطنية، وتصون في الوقت ذاته الامتداد العربي الثقافي والحضاري والتاريخي.
ونحن في الأردن، لطالما رأينا أننا في وطن هويته الأردنية متجذرة، نعتز بخصوصيتها وامتدادها في الوقت ذاته إلى مشروع عروبي نهضوي نقي في مراميه وقيمه، وموصول بإرث الثورة العربية الكبرى.
إن مسألة الهوية اليوم ليست نقاشًا حول الماضي فحسب، وإنما هي سؤال عن المستقبل أيضًا. فالمجتمعات التي تضعف فيها الهوية الجامعة تصبح أكثر عرضة للانقسام والتشظي، بينما تمنح الهوية المتوازنة الدولة الوطنية مناعتها، وتحفظ للمجتمع تماسكه، وتفتح أمامه في الوقت ذاته فضاءً أوسع من الانتماء الثقافي والحضاري.
ولعل ما نحتاجه اليوم هو أن نعيد للهوية معناها الجامع؛ أن نتمسك بالدولة الوطنية باعتبارها إطارًا للمواطنة، ونستعيد العروبة باعتبارها امتدادًا ثقافيًا وحضاريًا وتاريخيًا، بعيدًا عن التوظيف الحزبي والسياسي.
فالهوية التي تبقى حيّة هي تلك التي تتصالح مع تاريخها، وتحفظ خصوصيتها، وتنفتح على محيطها، وتمنح أبناءها القدرة على النظر إلى المستقبل بثقة، دون أن يضطروا إلى الاختيار بين وطنهم وعروبتهم.