القراءة في السياسة الأردنية الخارجية من خلال الدبلوماسية وحدها أو حتى من خلال المواقف السياسية تجاه أزمات المنطقة بمعزل عن الاقتصاد والأمن غير منصفة، إنما من خلال منظومة متكاملة تلتقي عناصرها عند المصلحة الوطنية.
فالدبلوماسية الأردنية متميزة إقليميا ودوليا لخدمة وتحقيق المصالح الوطنية والقومية، برسالتها الواضحة التي تؤكد على حماية المصالح الوطنية وخدمة الاقتصاد وتحقيق الأمن والاستقرار الإقليمي.
في الحالة الأردنية يحتل الأمن الوطني موقعا متقدما في صناعة القرار بحكم الموقع الجغرافي للمملكة، وأن وجودها في منطقة تشهد أزمات وصراعات متداخلة ومتشابكة فرضتها التطورات الإقليمية خلال السنوات الماضية على الأردن، يؤكد أهمية تطوير مقاربة أمنية لا تقتصر على حماية الحدود وإنما تشمل حماية المجال الجوي ومواجهة تداعيات الصراعات المحيطة والحفاظ على استقرار المجتمع.
تاريخيا، ارتبطت الدبلوماسية الأردنية بالاعتدال والواقعية والقدرة على المواءمة بين المصلحة الوطنية والمصلحة العربية، ووفقا للرؤية الرسمية لمرتكزات السياسة الخارجية الأردنية تزداد أهمية هذه المقاربة من حيث أن الأردن يتعامل مع بيئة إقليمية تضم قوى ومصالح متعددة ومتعارضة في أحيان كثيرة، وهو مايتطلب من المملكة أن تحافظ على علاقات استراتيجية مع الولايات المتحدة والدول الأوروبية وتعمل في الوقت ذاته على تعزيز علاقاتها العربية والآسيوية وتبقي قنوات الحوار مفتوحة مع أطراف مختلفة، فالهدف من ذلك ليس تحقيق التوازن لمجرد التوازن وإنما هامش أوسع للحراك الأردني وحماية المصالح الوطنية في بيئة دولية متقلبة.
في الشأن الفلسطيني الأردن يتعامل معه من منظور سياسي وأمني وتاريخي في آن واحد فاستمرار حالة عدم الاستقرار سينعكس على أمن واستقرار المنطقة ككل، فيما ترتبط القدس بصورة مباشرة بالدور التاريخي للوصاية الهاشمية على المقدسات الإسلامية والمسيحية.
فالموقف الأردني من القضية الفلسطينية لا يتغير بتغير الأزمات اليومية فهو يستند إلى ثوابت تتعلق بإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة وتحقيق السلام العادل والحفاظ على الوضع التاريخي والقانوني القائم في القدس.
أما من منظور المصلحة الوطنية فإن تحقيق السلام العادل في المنطقة ليس هدفا سياسيا فلسطينيا فقط، وإنما يمثل كذلك مصلحة أردنية مباشرة فهو يساهم في تخفيض مستويات التوتر ويفتح المجال أمام الاستقرار الاقتصادي وتنمية المنطقة.
الباحث والمحلل السياسي والقانوني الدكتور مصطفى عواد يرى أن موقع الأردن الجغرافي يفرض عليه قدرا عاليا من الواقعية في إدارة العلاقات الدولية، لافتا الى أن المملكة محاطة بملفات إقليمية حساسة وفي الوقت ذاته تحتاج إلى الحفاظ على علاقات قوية مع القوى الدولية والعربية. وأضاف، وتقوم المقاربة الأكثر ملاءمة على مبدأ التعاون مع الحلفاء والحوار مع المختلفين ورفض التدخل في الشؤون الداخلية للدول والتمسك بالقانون الدولي اضافة لحماية المصالح والسيادة الوطنية، وأن هذه المبادئ ليست مجرد توصيف تحليلي بل ما تؤكد عليه الدوائر الدبلوماسية في الأردن وأن السياسة الخارجية الأردنية تتميز تاريخيا بالاعتدال والواقعية وبالقدرة على المواءمة بين المصلحة الوطنية والمصلحة العربية العامة.
وبين عواد أن الأردن يمتلك مجموعة من عناصر القوة أهمها الاستقرار السياسي والمؤسسي وشبكة واسعة من العلاقات الدولية وموقع جغرافي مهم وخبرة دبلوماسية متراكمة إضافة إلى علاقات استراتيجية مع عدد من القوى الدولية والعربية، وتابع من هنا تبرز الحاجة إلى تعزيز التكامل بين مؤسسات الدولة بحيث لا تعمل السياسة الخارجية بمعزل عن الاقتصاد ولا تعمل السياسة الاقتصادية بعيدا عن اعتبارات الأمن الوطني وأن المرحلة المقبلة تحتاج إلى تطوير مفهوم أكثر شمولا للمصلحة الوطنية.
من جهته, يقول المحلل السياسي الامني الدكتور خالد الجبول أن نجاح السياسة الأردنية مستقبلا لن يقاس فقط بقدرتها على التعامل مع الأزمات وإنما بقدرتها على استثمار فترات الهدوء لبناء اقتصاد أكثر تنافسية وتعزيز الأمن الوطني والحفاظ على ثوابت المملكة السياسية.
وأضاف الجبول: تكشف القراءة السياسة الأردنية أن المصلحة الوطنية تمثل البوصلة التي تلتقي عندها السياسة والأمن والاقتصاد والدبلوماسية، مشيرا الى أن حماية السيادة والأمن الوطني ليست منفصلة عن النشاط الدبلوماسي والدبلوماسية ليست منفصلة عن الاقتصاد، كذلك الاستقرار الاقتصادي لا يمكن فصله عن الاستقرار السياسي والأمني.
وتابع بقوله: بذلك تصبح المصلحة الوطنية ليست مجرد عنوان للسياسة الخارجية فقط، بل أن المعيار الذي تقاس به القرارات السياسية والأمنية والاقتصادية والدبلوماسية هو الهدف النهائي عند مؤسسات الدولة.