أمام الدولاب الخشبي الذي تآكل منذ زمن بعيد، وغاص بين كمائن القصب المبعثرة وسط السيل، غلبني الفضول، فأخذت أدور حول بناء الطاحونة الحجري المُهَدَّم، أطالع ما تبقى منه.
لو أنني أعثر على أثر ولو ضئيل، من شأنه أن يقودني إلى تتمة الحكاية.
"حمدان».. الأب، هل عاد بعد كل تلك الحروب؟
«راشد».. الابن، والشقيق، هل جرفه النهر تلك الليلة وهو يلاحق الظلال، وأين رفاته؟
فقط، «سالم الطحّان».. هو كل ما تبقى من تلك اللافتة الحجرية المفتتة، وكان عليّ ان أواصل.
• الورقة الأولى: جدّي وحجر الطاحون
أوّلَ الليل تهبط العتمة وتشتعل الفوانيس أمام الخيام وبيوت الشعر المتناثرة على ضفتي النهر. ينداح الصمت ويُوغِل السكون عميقًا على امتداد الفيافي والتلال القريبة المشرفة على النهر. يخلو الأثير إلا من أصوات النباح المشتتة، وحشرات الليل واختلاطها بخرير النهر الأزلي.
نقيم أسفل الوادي المُطِل على قلعة «شبيب»، عند الضفة الجنوبية للنهر، خلف أشجار الحور وخمائل القصب. رغم الضباب وعتمة المغيب، يمكنني أن ألمح الطاحونة البدائية ذات الرحى الحجرية الثقيلة من مكاني، هنا، وهي تلقي بظلها الشبحِي فوق ماء النهر. حجر سفلي ثابت، وحجر علوي يُديره إما والدي «حمدان» أو جدي «سالم الطحان»، بكلتا يديه، وأحيانًا تتكفل «مسعدة» -الفرس الوحيدة المُقرَّبة إلى جدي- بهذه المهمة الصعبة.
جلس جدي «سالم» يدخن غليونه. رأيت الدخان يتصاعد في الهواء الرطب البارد ليمتزج بضباب النهر الخفيف.
ربما يستعيد في ذهنه تلك الطواحين العملاقة الرابضة على الجانب الآخر من النهر. كثيرًا ما حدثنا عنها في خلواته: «طواحين العدوان» البعيدة قليلًا عن هنا، تلك التي لم يُخلَق مثلها في البلاد، ولم يرَ مثلها العباد، وتخدم عيون «السخنة» وما حولها، وحتى منطقة «القنية».
الآن.. عواء ذئب يشق السكون ويأتي من جهة التلال الشرقية، فيثير رجفة في نفسي.
يقترب جدّي، يغمرني بعباءة الصوف الخشنة ويهمس: «عودة.. لا تخف».
يضحك ويواصل: «هذا الصوت يا ولدي أهون بكثير مما كان هنا.. أجدادنا سموه (وادي المسبعة)، لأن الأسود والنمور كانت تشرب منه. ثم جاء بعدهم من سماه (نهر التماسيح)، لأن التماسيح كانت تسكن غدرانه العميقة، أما الآن فهو (نهر الزرقاء) ونحن حوله».
يسكت جدي، مفسحًا لصوت النهر الهادر أن يعبر ليملأ الليل، ويحرس الطاحون.
الورقة الثانية: التلة الشمالية
تلك الليلة -بين الأوابد والكهوف الممتدة على السفوح، بين «بيرين» و«العالوك»- وبعد أن دفعنا بالماشية «والحلال» إليها، تذكرت النهر وأسماكه الفضية، وافتقدت سهراتنا وقنديل المساء وحكايا العمة «هلالة» حول «الجن» و«الغولة» وشجرة «النمنم»، ورحت أبكي بصمت.
كنا قد غادرنا النهر وضفته الجنوبية مع أول يوم في هذا الشتاء القارص، على أن نعود إليه مع أول الربيع، كعادة سنوية مألوفة. جدّي ووالداي وأنا.. وعشيرتنا الصغيرة.
عندما رجعنا ذلك العام مع الربيع، كان كل شيء قد تبدل، أو على وشك أن يتبدل.
وبأننا لن نترك النهر وكمائن القصب والطاحونة التي تبدلت مرة أخرى.
عمتي «هلالة» أول من تنبه للأمر.
أشارت إلى التلة الشمالية، المجاورة لقلعة «شبيب»، في حيرة، لتقع أعيننا على شيء مغاير لقصص الجن والغولة وشجرة النمنم كما عودتنا.
رأينا بيوتا طينية كثيرة لم تكن من قبل. نبَتت من حفيف البراري القاحلة واستقرت هناك، هكذا فجأة، تناثرت خلف سور حجري مرتفع بأبواب خشبية، ومسجد صغير توسّط المكان، دلَّ عليه برج المئذنة الصغير.
بعد وقت قصير، هبط أولئك السكان الجدد من تلك البيوت المشيدة نحو النهر، عند الضفة الشمالية المقابلة. لم يمر وقت حتى تحولت الفسحات المحاذية للنهر إلى مصاطب ومروج وحواكير خضراء، تفيض بالخس والقرنبيط والبقوليات وغيرها.
لمحت صغارهم للمرة الأولى وسط النهر. كانت وجوههم بيضاء صافية، تخالطها حمرة خفيفة.
بادرتهم بالتحية، فردوا بمثلها، لكنّي لم أفهم!
كان لجدي «سالم» لغته. صار يقطع النهر في أيام الجمعة من كل أسبوع، ليلحق بالصلاة في مسجدهم الصغير وساحته المسقوفة بالقصب.
ذات يوم، عاد ومعه شيخ كبير له هيبة ووقار، ذو لحية شقراء ووجه أبيض يفيض كرمًا وطِيبَة. كان جدي ووالدي يدعوانه بالشيخ «آرَسْبِي».
تأمل الشيخ طاحونة الجد باهتمام، دار حولها، ثم غادر ملوحًا.
أسميناه الشيخ الطيب، صاحب «القلب الأبيض»، بعد ذلك النهار.
• الورقة الثالثة: حظائر وطاحونة
كبرتُ، وشب شقيقي الأصغر «راشد».
عند النهر، صار لنا بيوت مسقوفة، من طين وقصب، حوَّطتها الحظائر، حيث تهجع الماشية كل يوم، صيفًا وشتاءً. كبر جدي «سالم» بالمثل، وأقعده المرض. أما والدي «حمدان» فراح يرعى شؤون «الطاحونة» الصغيرة، والتي تحولت -بفضل الله ثم الشيخ «آرَسْبِي"- إلى طاحونة حديثة، تدار بماء النهر، بعد أن شق الشيخ قنوات مائية عديدة وحولها نحو الدولاب الخشبي الجديد وحجر الرحى العلوي.
ذات يوم وصل إلى بيدرنا جندي عثماني نزِق ورهط من العسكر.
اقتادوا والدي أمامهم بعنف. سار مُرْغَمًا، حتى دون أن ينظر إلينا.
أما جدّي فكان لا يرى ولا يسمع، ولا يقوى على الوقوف منذ زمن.
قبل رحيله للحرب، شيّد والدي غرفتين، أضافهما للطاحونة: واحدة لخزن الطحين، وأخرى لأكياس القمح والشعير. وكان لزامًا علينا -أنا وشقيقي- أن نرعى شؤونها جيدًا حتى يعود والدي.
حين كنا نتقاعس أو نتذمر أمام العمة «هلالة» من تلك الطاحونة، كانت تصرخ في وجهينا قائلة: «تقولوا مطحنة ابن عدوان ببرجها الثلاثي المخيف، التي يديرها ثلاثة من الجن وعفريت من النار».
• الورقة الرابعة: قنطرة على النهر
تناثرت بيوت وبيادر ومصاطب زراعية كثيرة على ضفتي النهر.
مدينة «الزرقاء» الصغيرة على التلة الشمالية المقابلة ضاقت بأهلها، وتمرّدت على أسوارها. طرقات رملية متشعبة شقتها العربات وأقدام العابرين بين السور الذي تهدَّمت بعض جوانبه الحجرية، وقلعة «شبيب»، وبين القلعة الأثرية وسكة الحديد، أقصى الشرق المُسيَّج بالصحارى ونبات العوسج الكثيف.
مسجد آخر صغير، نهض أسفل التلة الشمالية، وقنطرة حجرية على النهر تُفضي إليه، شيدهما الشيخ الطيب «آرَسْبِي»، صاحب «القلب الأبيض»، قبل وفاته بأشهر قليلة.
ولأنه كان معروفًا بهذا اللقب، فقد أسموها «القنطرة البيضاء»، ثم «الجسر الأبيض».
كان لتلك القنطرة البيضاء -أو «الجسر الأبيض»- الواصل بين ضفتي النهر دور كبير في تطور المنطقة وازدهارها، لسهولة النقل والتنقل بين الجانبين.
تضاعف عمل «الطاحون» المائي الذي ورثناه بعد تلك القنطرة.
جلبنا حجرًا ثقيلًا، ثبتناه أعلى طاحونة الجدّ، ونقشنا عليه: «طاحونة المرحوم الشيخ سالم الطحان».
لم تعد حكايا العمة «هلالة» تخيفني، لكنها -وبعد هذه السنوات- كانت تخيف وَلَدَيَّ الصغيرين «سلامة» و"علي». أما شقيقي الأصغر «راشد» الذي ظل عازبًا، فكان لا يخشى تلك الحكايا، وإنما كان ينساق وراء إحداها، «ظلال شبحية طارئة تزحف على الطاحون، بعد منتصف الليل، ظلال حائرة لوالدي، (حمدان)»، وهو ما أثار حفيظة أمنا وحنقها آخر المطاف، لتصرخ في وجهه غاضبة: «عمتك هلالة صارت عجوزًا خَرْفاء لا تعي ما تقول. عُد إلى البيت واترك عنك النوم في الطاحون».
في الأماسي المعتدلة تتصاعد روائح الطحين الطازج من طاحونة الجدّ، قبل أن تختلط بروائح النعناع البري وتَعْبَق في الأنوف.
• الورقة الخامسة: شبح الطاحون
عربات ثقيلة محملة بالبضائع أخذت تعبر «الجسر الأبيض» نحو الفيافي والسوق، تعبر بلدة «الزرقاء» من شرقها إلى غربها ومن جنوبها إلى شمالها.
في الوسط المُعَفَّر بأتربة الصحاري تكونت نواة السوق: جدران من ألواح التوتياء وأسقف خشبية، شكلت محالًا متجاورة ومتنوعة على الجانبين.
محال آمنة في ازدهار متسارع. كان هذا في عهد الإمارة الجديدة: إمارة «شرق الأردن».
في الربيع من ذلك العام، تكاثرت النسوة على حافة السيل، كُنَّ يَفِدْنَ لغسل الثياب، يضربنها بحجارة ملساء على وقع الخرير. بأيدٍ مخضبة بالماء والحناء.
على مقربة من حفر الماء الضحلة، تركن أطفالهن ليلتقطوا السمك الصغير، الذي كان يلمع كسبائك الفضة تحت أشعة الشمس المتكسرة على صفحة النهر.
ذلك الشتاء الماطر لم ينم «راشد» ولا لمرة واحدة في غرفته ببيت العائلة.
اختار له مكانًا خفيًا بين أكياس القمح والطحين، في إحدى غرفتَيِ الطاحون المنزوي خلف أشجار الكينا وكمائن القصب.
كل ليلة تمطر فيها كان النهر يفيض، ليعبر الماء الجارف نحو الطاحون ونحونا.
كنا نَخِفُّ -أنا وأمي والعمة «هلالة"- لفتح الأقنية وتحويل مجراها نحو النهر.
تلك الليلة المشؤومة لم نخرج، وظل «راشد» على انتظاره الليلي كعادة مألوفة بين أكياس الطحين. كنا نلومه -أنا وأمي- إذ كيف له أن يصدق العمة «هلالة» في أمر كهذا؟!
تلك الأمسية التي سبقت ليلتنا المشؤومة، حيث أرعدت السماء وألقت بأثقالها نحو النهر والبيوت المتناثرة حوله، وفوق بيوت «الشيشان» على التلة المقابلة، لتندلع السيول ويفيض النهر وتغرق الحواكير والمصاطب الزراعية على ضفتيه.
قال لنا «راشد»، وكان جادًا ذلك المساء: «أنا أيضًا رأيته، منذ ثلاث ليال، كان حائرًا يدور حول الطاحون. كيف لي أن أخطئ والدي، وقامته؟».
تَلْطُم أمي وجهها، ثم تهز رأسها في غيظ قائلة: «حسبي الله ونعم الوكيل.. (حمدان) مات، مات في الحرب، مات منذ عشر سنين على الأقل. أبوك مات كغيره يا ولد"».
فَرَّ «راشد» من بيننا مسرعًا، غير آبه بالدَّلْف والسيول وصياح أمي، وهو يقول: «الليلة سيأتي وسوف ألقاه. الليلة سآتي به إليكم».
ثم لم نرَ «راشد» بعدها.
***
مع نهاية الورقة الخامسة، يندلع الضجيج في شوارع المدينة المتشعبة المحاذية للسيل، أو ما تبقى منه.
باصات تشخر، وسيارات تطلق نفيرها الصاخب في كل اتجاه، تزأر وهي تطارد العادم الكربوني دون مبرر واضح.
أناس يلفهم الحنق وهم يبوحون بأبسط التفاصيل اليومية لغيرهم.
تتراجع الطاحونة وتصغر أمام جوقة النهار المتصاعدة.
ألمح وجوهاً شبحية تتقافز على امتداد السيل ومجرى حجارته الملساء الجافة..
ربما كان «حمدان» بينها، أو أن روح «راشد» قد اشتاقت إلى المكان..
لا أجزم ولا أنفي. كل ما أريده الآن أن أبتعد، وأبتعد؛ ففي المدن الطافحة بالناس والحكايا كهذه المدينة، قد تضيق الحقيقة وتذوي بين المباني الحديثة ولوثة الضجيج العارمة.. وقد تضيع بينها للأبد.