باريس.. من ((بؤساء)) هيجو إلى برج إيفل

تاريخ النشر : الجمعة 10:12 4-9-2026
No Image

زرت باريس افتراضيا عام 1973 حين أخذني إليها فيكتور هيجو في رائعته الروائية «البؤساء»، فقد جعلني أتجول في شوارعها وكنائسها ومتاحفها، وأرافق جان فالجان وهو يحمل الطفلة كوزيت على كتفه، ويتجول بها في العالم السفلي، في مجاري باريس. فكرت طويلا في سعة المجاري وارتفاعها، ولم أستطع، حتى بالمخيلة فهم هذه الأبعاد، لكني صدقت هيجو. وظلت صور «البؤساء» تسكن مخيلتي سنين عديدة.

كان ذلك بفضل سلطي الزعبي، ابن خالتي، العائد في الصيف عام 1972 من الجامعة الأردنية، أعطاني الرواية الضخمة ذات الغلاف الأخضر، تعذبت وأنا أقرا الخمسين صفحة الأولى، لكن الرواية أدخلتني بعد ذلك عالمها. واصلت التجوال مع جان فالجان. أخذني إلى عوالمه البعيدة، وكنت في قرية أشبه بالقوقعة، شوارعها صخرية ناتئة، أو ترابية مغبرة. ذهبت إلى مدينة لم أعرف طرقها، وعوالمها السفلى، وجعلني أتأمل بخيال الفتى مدينة من عالم ألف ليلة وليلة، ومغامرات جان فالجان وبطولاته الأسطورية.

وفي العام 1999 قبيل دخول الألفية الجديدة بأيام، كانت ترصدها إضاءة ساطعة على برج إيفل، وطئت قدماي باريس أول مرة، في زيارة رسمية. وصلتها مساء يوم سبت. حطت الطائرة في مطار أورلي. كنت تعبا. كل ما رأيته من المدينة كان شوارع مدينة أوربية، بكل ما فيها من عناصر الضوء والسعة والازدحام، تلك التي عرفتها في برلين وفرانكفورت.

حين دخلت الفندق، الواقع في الدائرة الخامسة، فوجئت بممرات ضيقة جدا تتسع لشخص واحد في اتجاه واحد. وكذلك كانت الغرفة تتسع لشخص واحد يتحرك باتزان. قلت لا بأس، فأنا في باريس. خلدت الى النوم. حين صحوت كانت الشمس الباردة المضيئة تدخل من النافذة، وكانت الإطلالة الأولى على حديقة النباتات الطبيعية حيث الأشجار الباسقة. كان المنظر جميلا. الشارع مبلول بماء المطر في شهر تشرين الثاني. ثمة فتيات يسرن بأقدام حافية، ويحملن أحذيتهن بأيدهن. مشهد غير مألوف، على الرغم من مشاهدتي، وأنا في الصف الأول الابتدائي، طلابا يأتون إلى المدرسة حفاة.

قررت أن أخرج، على الرغم من أنني لا أعرف أين أنا في مدينة الأنوار، كما تسمى. أردت اكتشاف ما حولي، ولكيلا أضيع، تناولت بطاقة الفندق التعريفية: اسمه، موقعه، وأرقام تلفوناته... وخرجت.

الساعة لم تتجاوز الثامنة. كانت شوارع المدينة صباح الأحد خالية تماما. سرت أنقل بصري بين الشوارع، والمباني، وواجهات المحلات المغلقة. وكنت حريصا على تحديد اتجاه سيري، كي أتمكن من العودة للفندق.

على بعد عشرات الأمتار من الفندق رأيت رجلا وامرأة يسيران معا، لدهشتي كانت المرأة إحدى زميلاتي في الرحلة والرجل صديقها الفرنسي. توقفتْ وعرفتني على صديقها. واصلتُ سيري وأنا أردد «ولله في خلقه شؤون». انعطفت يمينا لأجد نفسي بعد خطوات قليلة على ضفة نهر السين، يا لها من متعة ونزهة جميلة.

سرت والنهر. كان ثمة صناديق حديدية خضراء مغلقة، أشبه بأكشاك. كان أحدها مفتوحا وبداخله، وعلى أطرفه الشبيهة بالرفوف كتب. وعلى بعد خطوات منه طابور طويل من البشر الصامتين صمت الأموات. ليس ثمة صوت، أو حركة، أو حديث. وأمام طابور البشر بناية مرتفعة ذات مدخل يُصعَد إليه بدرج، غير باد للعيان. وفوق المبنى لافتة كبيرة عرفت منها اسم «ماتيس». توجهت إلى الشاب الواقف أمام الكشك، كشك الكتب. وسألته إن كان يعرف الإنجليزية أو الألمانية ابتسم وردد: «لا»، لكني تفاهمت وإياه دون لغة. عرفت أن طابور البشر كان بانتظار دوره للدخول إلى معرض الفنان العالمي المشهور ماتيس، وأن هذا الطابور يتكرر منذ ثلاثة أشهر.

استحضرت صورة الطوابير في بلادنا: طوابير أمام المخابز، وأما المقابر للعزاء، أو على باب شخص تسلم أمس منصبا، أو هبطت عليه وزارة من السماء الكريمة، فجاءت عشيرته بقضها وقضيها، وجمع ممن يرجون منه خيرا، أو لا يرجون، مباركين مهنئين مصطفّين في طابور طويل، محملين أنفسهم عبئا غير مطلوب منهم.

سرت منعطفا يمينا إلى الفندق، وأنا مثقل بالتفكير عن التباينات بين الثقافات.

في بيت روجيه غارودي

كان المطر الخفيف يعمر صباح باريس، وكنا على موعد لزيارة مهمة، زيارة روجيه غارودي صحبة حياة الحويك العطية التي تتقن الفرنسية، وتترجم لنا، والروائية سميحة خريس. كنت قد قرأت العديد من كتب غارودي المترجمة للعربية، وكتبت مطلع تسعينات القرن الماضي عرضا لكتابه «الأصوليات المعاصرة في أسبابها ومظاهرها»، نشرته صحيفة «الرأي» الأردنية.

انطلقنا إلى ريف باريس. وصلنا، كان الجو باردا، وثمة بقايا ثلوج. أمامنا حديقة واسعة في أعلاها بيت عادي يسكنه غارودي. التقينا الرجل المفكر المثقل بحمل السنين، ودار حوار لطيف عميق. استمعنا إلى غارودي وهو يطرح آراءه العميقة. قال: «أنتم تتتبعون، يقصد نحن العرب، الغربَ، وتسرفون في الأخذ منه ما لا قيمة كبرى له، مثلا أدبكم ونقدكم يغرق في الحديث عن البنيوية والسيمائية والأسلوبية، وكل ما يتعلق بالنصوص في بنيتها الداخلية، وتنسون أن الأدب يجب أن يقارب قضايا الأمة ومشاكلها». أصغيت للرجل باهتمام، فقد كان الحديث موجها إلي، بعد أن عرف أنني أستاذ جامعي في قسم اللغة العربية. فكرت بكلامه طويلا، كان ينطق عن معرفة ورؤيا عميقة. ماذا لو عرف أن المئات من طلابنا يدبجون رسائل علمية عن هذه المداخل المنهجية بإيقاع نمطي بائس، ويكتبون نصوصا كتبت مئات المرات من قبل.

أهداني نصا بالفرنسية التي لا أعرفها، ولسوء حظي لم أترجمه أو أفيد منه. ظل ذاك اللقاء حاضرا في الذاكرة بأفكاره وصوره، وظللت أقرأ فكر الرجل الصلب، الذي لم تدجنه الأحزاب، أو الأيديولوجيات، وظل حرا يملك أفقه الفكري الخالص، ويعبر عنه في كتبه الكثيرة، القليلة الصفحات، العميقة في رؤاها وجرأتها، وقدرتها على رؤية البؤس والعنف في العالم، فكريا واقتصاديا وعقديا. وهو ما أدخله إلى قاعة المحكمة في بلد يقدس، افتراضا، حرية الرأي، فقط لأنه خالف التصور السائد، وأنقص عدد الستة ملايين الذين يشاع أن هتلر قتلهم.

لقد كانت كتب روجيه جارودي تعاين الواقع الإنساني الراهن في العالم. وهو يقف فيها على صور الظلم الاقتصادي والسياسي والاجتماعي التي تحكم العالم، والتي يمارسها من يملك المال والقوة على المجرد منهما. وقد استأثرت فلسطين وقضيتها، والاحتلال الصهيوني، والقمع الذي يمارَس ضد شعبها باهتمامه ومعالجاته، وهو ما تبدى، مثلا، في كتابه «الأساطير المؤسسة للسياسة الإسرائيلية». كان يصدر في رؤاه عن إدراك ثاقب للعالم وقضاياه، وصراعاته القاتلة، وتاريخه الديني الذي يدخله في جحيم الحروب التي يصف بعضها بأنها حروب دينية، كما في كتابه «نحو حرب دينية، جدل العصر» الذي يقرأ فيه صورة من يملكون ومن لا يملكون. ويقرر أن «ما من حكمة ولا دين يمكنهما أن يقبلا بهذا الانقسام للعالم، وبذلك الاستعباد لثلاثة أخماس سكانه، من حقوق العيش إنسانيا».

خرجت من اللقاء مع غارودي وأنا مسكون بكثير من رؤاه وتصوراته، وبخاصة فيما يتعلق بعملنا في الأدب والنقد، وكيف أصبحنا مدجنين، نستقبل ما يقوله المنظرون الغربيون بإذعان، دون مساءلة، أو قراءة فكرية تتيح لنا وضع ما يقولونه موضع التفكير والنقد والشك الذي يقود إلى اليقين، ولا سيما أننا نملك إرثا ثقافيا عميقا وثريا سبق أوروبا بقرون، وقد اعتمدت عليه في غير مسار من مساراتها العلمية والأدبية من خلال مؤسساتها العلمية، ومنها المؤسسة الاستشراقية الضخمة. ظلت تلك الرؤى تراودني، وتعمق رؤيتي وتصوراتي عن البنية الثقافية العربية التي يجب علينا نحن العرب أن نعرفها بوعي. البنية التي تستعير ما ليس لها، وما لا يلائمها، على الرغم من امتلاكها عمقا ثقافيا ترك آثاره العميقة على الحضارة الإنسانية في مجالاتها العديدة. وهذا فعل يتم بالتبعية والإذعان للغرب المتقدم القوي، وهو ما يقود إلى رؤية مشوهة للذات وللتراث العربي وتاريخه العميق.

محاضرة في معهد العالم العربي

كنت الأكاديمي الوحيد في الوفد المرافق لزيارة جلالة الملك عبد الله الثاني ابن الحسين إلى فرنسا (1999)، وضمن برنامج الزيارة كان علي إلقاء محاضرة عن الأدب في الأردن، مع التركيز على مصطفى وهبي التل (عرار)، فكتبت نصا بعنوان «صوت في ظلام الصمت». كان عدد الحضور قليلا، لكن المفاجأة الجميلة كانت حضور جلالة الملك والملكة اللذين تفضلوا بالسلام على الحاضرين جميعا. وكان يرافقهم وفد كبير على رأسهم رئيس الوزراء دولة عبد الرؤوف الروابدة وعدد من الوزراء من بينهم وزير الخارجية عبد الإله الخطيب. كان جو اللقاء لطيفا ودودا.

الحي اللاتيني

كنت أحمل معي سيرة عبد الرحمن بدوي المخطوطة بمجلديها، بنيّة تقديمها له لمراجعتها، وكانت معَدّة للنشر في المؤسسة العربية للدراسات والنشر. لكن دعوة كريمة من فاطمة الزعبي التي تعمل مترجمة في السفارة السعودية في باريس إلى عشاء في أحد مطاعم الحي اللاتيني حالت دون لقائي الأستاذ بدوي الذي كنت حريصا على لقائه، وهو ما تكفّل به أحد زملائي في الوفد. لقد كنت على موعد مع «الحي اللاتيني» منذ قرأت رواية سهيل إدريس الذي كنت تشاركت معه قبل سنوات إحدى الندوات التي كان يعدها عبد الرحيم عمر بعنوان «ندوة الاثنين».

كانت الدعوة أنيقة مرتبة بعناية في مطعم صغير في الحي اللاتيني، كنا خمسة أشخاص. ثمة موسيقى، ولوحات أفريقية غريبة، وصور تدفعك لتأملها. وبعد تناول العصير بدأ الرقص على إيقاع موسيقي لطيف. ثم قُدم الطعام. كان الحي اللاتيني مكتظا، وكانت الساعة تقترب من الثانية صباحا. وآن وقت العودة إلى الفندق.

قهوة الصباح

نزلت إلى بهو الفندق، وتوجهت بالحديث إلى الموظف هناك، كان لا يتحدث سوى الفرنسية. سألته إن كان يمكن مخاطبته بالإنجليزية أو الألمانية فأجاب بالنفي. ومن باب الدعابة قلت له: إذن نتحدث بالعربية، فانفرجت أساريره، وتدفق بحديث عربي فصيح، فقد كنا شابا تونسيا. دعاني بعدها لتناول القهوة.

غادرت باريس وفي جعبتي كثير من الحكايات، والعديد من الهدايا للأطفال.

.alrai-epaper-widget{margin-top: 20px; max-width:250px}
Tweets by alrai
.alrai-facebook-embed{margin-top: 70px;}
.container .row .col-md-12:has(.alrai-section-last-widget) { flex-direction: column; } .alrai-section-last-widget { margin: 0 auto; position: relative; padding-top: 35px; width: 100%; } #widget_2097 .alrai-section-last-widget { padding-top: 35px; margin-top: 0; } .alrai-section-last-widget::after { position: absolute; content: url("https://alrai.com/alraijordan/uploads/global_files/section-page-faded-line.svg?v=1"); top: 0; transform: translateX(0); } .alrai-section-last-widget .full-col { overflow-x: auto; overflow-y: hidden; -webkit-overflow-scrolling: touch; width: 100%; } .alrai-section-last-widget .row-element { width: 100%; } .alrai-section-last-widget .content-wrapper { display: flex; flex-direction: row; flex-wrap: nowrap; align-items: stretch; width: max-content; min-width: 100%; gap: 30px; justify-content: center; padding-top: 30px; } .alrai-section-last-widget .item-row { flex: 0 0 auto; width: 200px; margin-right: 7px; display: flex; flex-direction: column; height: 195px; } .alrai-section-last-widget .row-element .item-row .img-ratio { padding-bottom: 100%; display: flex; } .alrai-section-last-widget .row-element .item-row .img-ratio img { border-radius: 50%; border: 2px solid #00a0e5; padding: 3px; } .alrai-section-last-widget .article-title { white-space: nowrap; overflow: hidden; text-overflow: ellipsis; display: block; } .alrai-section-last-widget .item-row .item-info a { color: #000; color: color(display-p3 0 0 0); text-align: center; font-size: 14px; font-style: normal; font-weight: 800; line-height: 20px; text-decoration: none; display: -webkit-box; -webkit-line-clamp: 3; -webkit-box-orient: vertical; overflow: hidden; white-space: normal; } .alrai-section-last-widget .full-col::-webkit-scrollbar { display: none; } @media screen and (min-width: 1200px) { .alrai-section-last-widget::after { transform: translateX(0); } } @media screen and (max-width: 768px) { .alrai-section-last-widget .row-element .content-wrapper { flex-direction: row !important; } .alrai-section-last-widget::after { transform: translateX(100%); right: 0; left: 0; } }
.death-statistics-marquee .article-title a, .death-statistics-marquee .title-widget-2 a { text-align: right; font-family: Cairo; font-style: normal; font-weight: 700; line-height: 25px; text-decoration: none; } .death-statistics-marquee .breaking-news-wrapper { width: 100%; display: flex; } .death-statistics-marquee .breaking-news { background-color: #7c0000; padding: 22px 17px 24px 18px; color: #fff; text-align: right; font-family: Cairo; font-size: 22px; font-weight: 700; line-height: 25px; } .death-statistics-marquee .breaking-news-content { background-color: #b90000; padding: 22px 18px 24px 21px; color: #fff; text-align: right; font-family: Cairo; font-size: 22px; font-weight: 700; line-height: 25px; width: 100%; position: relative; } .full-container .marquee-container-widget:not(.relative-widget) .wrapper-row { position: fixed; width: 100%; right: 0; bottom: 0; z-index: 100000; } .death-statistics-marquee .marquee-container-widget .title-widget-2 { width: 75px; background-color: #757575; color: #fff; height: 60px; display: flex; align-items: center; justify-content: center; } .death-statistics-marquee .title-widget-2 a { color: #fff; color: color(display-p3 1 1 1); font-size: 15px; padding: 16px 18px 16px 15px; display: block; } .death-statistics-marquee .content-row:not(.content-row-full) { width: calc(100% - 100px); background-color: #000; } .death-statistics-marquee .content-row marquee { direction: ltr; } .death-statistics-marquee .content-row .img-item { display: inline-flex; height: 60px; align-items: center; vertical-align: top; } .death-statistics-marquee .content-row .article-title { height: 60px; display: inline-flex; align-items: center; color: #fff; padding: 0 15px; direction: rtl; } .death-statistics-marquee .article-title a { color: #fff; color: color(display-p3 1 1 1); font-size: 17px; } .death-statistics-marquee .title-widget-2 { width: 100px; } #widget_1932 { position: static; bottom: 0; width: 100%; z-index: 1; } @media scren and (max-width:768px){ .death-statistics-marquee .breaking-news-content{ font-family: 'Cairo', sans-serif; } }