لعلّ أكثر ما يلفتُ النّظرَ في اشتغال العلّامةِ الكبير أستاذنا د.خليل الشيخ (تنظر ترجمته في: ويكيبيديا، الموسوعة الحرّة، على الشّبكة العنكبوتيّة) في ميدان النقد الأدبيّ والدراسات المقارنة، منهجُه الذي يتميّز بتراحبِه وسَداده وإنتاجيّتِه الغزيرةِ في فهم الظواهر الأدبية، وقراءة التجارب الإبداعية بنَوْعَيْها: الشعريّة والنثريّة، لتشكّلَ أعمالُه بذلك علامةً فارقةً لا تُخطئها العين، بالنّظر إلى واقع الدراسات النقديّة العربيّة هنا وثمّة، وما يُنشر في هذا المجال في المجلّات الجامعيّة المُحكّمة.
فَمِن المُؤسفِ حقّاً ما يُلحَظُ من امتلاء الساحة الأدبيّة في هذه الأيام بالقراءات السّطحيّة، والدراسات الجزئية المتعجّلة، والأبحاث الأكاديميّة الفطيرة..، التي يفتقرُ أصحابها إلى أبسط الأسباب والآلات المؤهّلة لهذه الصناعة من اطلاعٍ واسع، وذائقةٍ أدبيةٍ مُدرّبة، وعلومٍ لغوية كافية، فضلاً عن منهجيّةٍ سويّةٍ قوامُها الرؤية الشاملة، والتتبّع الدقيق، والتحليل العميق، والحوار العلميّ المُنتِج، والاستنباط المنطقيّ الصحيح.
ومِنْ هنا تبرزُ أعمالُ د.خليل الشيخ ومصنّفاتُه النقديةُ التي يُخرجها على النّاس بين الفينة والأخرى، لتكونَ بمثابةِ صرخةٍ مدوّية في ميدان النقد الأدبيّ، يَفزعُ منها كلّ النّازليهِ بلا مؤهّلاتٍ وخبراتٍ، ممّن تسلّلوا إليه ليلاً، يحسبونه ميداناً سهلاً، لتحقيق مآربهم الخاصّة، وطموحاتهم الشخصيّة، إذ يستيقظون على انكشاف عُوارهمْ للقرّاء، وما مَرَدوا عليه في كتاباتهم من الهُراء والدّجَل، ولا سيّما حين تنعقدُ المقارناتُ بين منهجٍ ومنهجٍ، وبين عَمَلٍ وعَمَل.
لقدْ دأبَ الناقد د.خليل الشيخ، بادئَ بَدْءٍ، على تجاوز الموضوعات الأدبية التقليديّة البسيطة، لينهدَ إلى دراسة تلك الموضوعات الجديدة المعقّدة، التي ليس من اليسير أنْ يتصدّى لها نقّادٌ مؤهّلون، فضلاً عنْ أنْ يفكّر بها باحثون متطفّلون، لمْ يكونوا في يومٍ من الأيام إلا عالةً على البحث العلميّ، وما أكثرَهُمْ في ساحتنا الأدبية الراهنة!
يرجعُ اهتمامُ د.خليل الشيخ بهذه الموضوعات خاصّة إلى عاملين أساسيّين: إحساسه العميق بأهمّية البحث في مثل هذه الموضوعات الشائكة، لإضاءة جوانبها المظلمة، وحلّ إشكالاتِها المختلفة، بعد أنْ أضرّ بها تطاولُ الأيام، وخمولُ الأفهام، وتقصير الأقلام. وأيضاً إلى ما يأنسُه من نفسِه من قدرةٍ على ذلك، إذ لا يكفي هذا الإحساسُ ليحقّقَ الباحثُ ما يطمحُ إليه، بلْ لا بدّ من امتلاكه الهِمّةَ العالية، والثقافةَ الواسعة، والأدواتِ النقديةَ اللازمة..، التي تمكّنه من معالجة تلك الموضوعات الصّعبة، التي يتّسمُ البحثُ فيها بكثرة مدوّناتِه، وتنوّع مادّتِه، واتساع دائرتِه، وتشابك خيوطِه، وتشعّب اتجاهاتِه..، ممّا يتطلّب، بلا ريبٍ، ناقداً ألمعيّاً كبيراً صبوراً، لا يكلّ ولا يملّ في محراب التأمّل والعلم والكتابة.
ولعلّ هذا ما يُلْفيه القارئ ضاحياً في كلّ ما نَشَرَه د.خليل الشيخ من دراساتٍ نقدية، طوالَ مسيرته البحثيّة الجامعيّة، التي كانتْ من الوعي والتخطيط منذ خطواتها الأولى باتجاه غاياتها ومقاصدها الكبرى، وهو ما يكشفُ عن شغَفٍ معرفيّ، في المقام الأول، ورؤيةٍ منهجيّةٍ واضحةٍ في التعامل مع الموضوعات النقديّة التي يتناولها، بحيث تأتي دراستُه للموضوع الواحد، دراسةً مُستغرقةً له من كلّ نواحيه وأبعاده، على الرغم من كتابتِها على فتراتٍ متباعدة، ونشرها أبحاثاً مُنجّمةً في المجلّات العلميّة، وهو ما يجعل مثلَ هذه الأبحاث تنتظمُ، في نهاية المطاف، وتخرجُ على النّاس في شكلِ كتابٍ من الترابط والإحكام المتين، على نحو ما نرى ذلك جليّاً، على سبيل التمثيل، في كتابه «الانتحار في الأدب العربيّ» (الصادر سنة ١٩٩٧)، الذي جاء يشتمل على دراستين ضافيتين: الأولى «قراءة في ظاهرة الانتحار في التراث العربيّ»، المنشورة في «المجلة العربية للعلوم الإنسانية» سنة ١٩٨٩، والثانية «قراءة في ظاهرة الانتحار في الأدب العربيّ الحديث»، المنشورة في «مجلّة دراسات: العلوم الإنسانية» سنة ١٩٩٤. وكذلك في كتابه الشهير «باريس في الأدب العربيّ الحديث» (١٩٩٨)، الذي ينضمّ على دراساته الثلاث: «باريس في الأدب العربيّ الحديث حتى الحرب العالمية الأولى»، المنشورة في «مجلة عالم الفكر» سنة ١٩٨٨، و«باريس في الأدب العربيّ الحديث بعد الحرب العالمية الأولى»، المنشورة في «مجلة أبحاث اليرموك» سنة ١٩٩٠، و«باريس في الشعر العربيّ الحديث»، المنشورة في المجلة نفسها بعد نحو خمس سنواتٍ من سابقتها.
وليس يخفى ها هنا مدى استيعاب رؤية د.خليل الشّيخ للموضوع الذي يدرسُه، وإحاطته به من كلّ جوانبه، وهو ما يفسّر لنا حرصَه على تتبّعه من بدايته إلى نهايته، دون الاكتفاء بدراسة جانبٍ دون جانبٍ، بغية تقديم صورةٍ مكتملةٍ له، لا تترك زيادةً لمستزيد.
كما نلحظُ كذلك طبيعةَ اختياره لموضوعاته البحثيّة والنقديّة، إذ نجده يتصدّى لأعوَصِها مادّة، وأغمضِها بياناً، وأعمقِها أسراراً، وأشدّها تشابكاً وتعقيداً..، وهو لا يُقدِمُ على ذلك إلا مُحتشداً له كلّ الاحتشاد، ومن الوعي التامّ بمقدار العِبْء الذي سوف يحتملُه، والجهد الذي سوف يبذلُه، والمشقّة التي سوف يُعانيها في رحلتِه البحثيّة الطويلة، وهو يحاولُ أنْ يتقرّى ذلك الموضوع، ويصل فيه إلى محطّته الأخيرة.
ويكفي أنْ يشار ها هنا إلى قوله، في مقدّمة كتابه الأول (ص٥): «إنّ الانتحارَ عمليةٌ معقّدة ومركّبة، وهو وإنْ بدا للوهلة الأولى ردّ فعلٍ عنيفاً لأمرٍ ظاهر، يترتّب عليه تدميرُ الذات، فهو في حقيقته نزعةٌ دفينة، عميقة الغور، يُفصح عنها أدبُ المنتحرين، وتؤكّدها تفصيلاتُ حيواتهم. لهذا لا تفصل الدراسةُ بين الأعمال الأدبية والوقائع الحياتية للأدباء المنتحرين، وتسعى عبر استكناه أبعاد الظاهرة المدروسة إلى الإفادة من المناهج التي سعتْ لتحليل الظاهرة وفهمها. وقد وقفت الدراسةُ في القديم عند تجلّيات هذه الظاهرة على الصعيدين الأسطوريّ والواقعيّ، أمّا في الحديث، فقد سعت الدراسةُ لقراءة تجلّيات الظاهرة منذ ظهورها، ثمّ تناولتْ بالتحليل عدداً من الشعراء والأدباء المنتحرين في مصر ولبنان وسورية والأردن، وحاولتْ أنْ تتبيّنَ النزوعَ الكامنَ في كتاباتهم نحوَ الموت».
وواضحٌ أنّ البحثَ في هذه الظاهرةِ لا يمكنُ أنْ يقوم على التقميشِ واللهْوَجَة، كما هو شائعٌ في أغلب النشاط النقديّ في وقتنا الحاضر، إذ كانت هذه الظاهرة ترجعُ إلى عواملَ مختلفة، كما تتداخل فيها أبعادٌ عديدة، ممّا يعني أنّ محاولةَ سَبْر أغوارها والوقوف على جليّتها يتطلّب من الباحث قراءةً مترويّة، وتحليلاً مُستقصياً لكلّ تلك العواملِ والأبعاد، دون إغفال شيءٍ منها، وإلا كانت دراسةً مُضَلّلةً، لِما يعتريها من النّقص، ويشوبُها من الأحكام الخاطئة. وهو ما كان د.خليل الشيخ، بحقّ، على ذُكْرٍ من ذلك كلّه، وهو يتصدّى لدراسة هذه الظاهرة، ولعلّنا هنا نتبيّنُ أهمّ ما يميّز منهجَه النقديّ، بشكلٍ عام، الذي سَلَكَه في معظم ما ألّفه ونشَرَه على النّاس، وليس في هذه الدراسة حسب، وهو، كما يقول (ص٥٠): «عدم الفصل بين الذات والموضوع، أي ذات المبدع ونصّه، فهما يتداخلان تداخلَ العلاقات التي تنسج كلّاً منهما». وهذا يعني أنّ قراءته للعمل الأدبيّ لا تبقى في نطاق بنيتِه الداخليّة، اللغويّة والفنّيّة.. حَسْب، بلْ تتعدّى ذلك إلى ما هو أبعدُ، إذ نجده دائماً من الحرصِ على «ربطه بسياقه التاريخيّ، بكلّ أبعاده الثقافيّة والسياسيّة والاجتماعية..»، الأمر الذي من شأنه، ولا بُدّ، أنْ يُعينَ على الفهمِ الصّحيح، والتفسير المُقنِع، وأنْ يكشِفَ الأقنعةَ عن غير قليلٍ من الأسرار المُكتّمة، ممّا يتعلّق بالموضوع المدروس.
كما نجده يركنُ إلى هذه الأصولِ المنهجيّةِ على صعيد الممارسة النّقدية في كتابه الثاني، وهو يتناول موضوع حضور باريسَ في الأدب العربيّ الحديث، الذي يمكن القول بأنّه منْ أشقّ الموضوعات التي يُمكنُ أنْ يتولّجَ فيها باحثٌ، وخصوصاً إذا ما رام دراسة هذا الموضوع على نحوٍ من الاستقصاء والعمق، ضمن خطّةٍ طويلةٍ.. طَموح، كالتي قام عليها هذا السّفر. يقول د.خليل الشيخ في مستهلّه، موضّحاً طبيعةَ مقاربته لهذا الموضوع (ص١١): «تعتمدُ هذه الدراسةُ، وهي تسعى إلى تحليل حضور باريس في الأدب العربيّ الحديث، على مجموعةٍ من النصوص التي تنتمي إلى غير جنسٍ أدبيّ، ويتوزّع أصحابُها على أزمنةٍ وأمكنةٍ مختلفة، ويصدرون عن رؤىً متعدّدة، وإنْ ظلّ يجمعُ بينهم أنّهم أقاموا في باريسَ زمناً يقصرُ أو يطولُ، لتكون رؤاهم صادرةً عن تجربةٍ ومعايشة. غير أنّ هذه الدراسة، التي تقع في حقل البحوث النقدية المقارنة، لا تتوقّف عند ملامح تلك المدينة من المنظور الفنيّ، بقدر ما تهدف إلى تحليل مجموعة العوامل التي شكّلتها، والآفاف التي انتهت إليها، وارتباط ذلك بالوعي على الذات والآخر».
وهنا نلحظ، بلا شكّ، مدى اتساع دائرة قراءته للنّصوصِ الأدبية، وما يَنشدُه من هذه القراءة في تحقيق أغراض البحث، بما يتّفقُ مع طبيعة موضوعه، وما يمثّله، على حدّ تعبيره، من «لحظةٍ معقّدةٍ من تاريخ المثاقفة الحضاريّة بين الشرق العربيّ الإسلاميّ وبين الغرب الأوروبيّ المعاصر». وهو تاريخٌ، ظلّ د.خليل الشيخ شديدَ العنايةِ به والمتابعة له طوال مسيرته العلميّة، لارتباطِه بكثيرٍ من القضايا والموضوعات التي ظلّتْ تؤرّقه في ميدان اشتغاله النقديّ الأبرز، الذي يُعنى، كما يقول الدكتور إحسان عبّاس في تقديمه للكتاب، بالبحث في «بدايات الأدب العربيّ، والعوامل المؤثّرة فيه، بطريقةٍ جديدةٍ من المقاربة».
فعلى شاكلة هذا الكتاب، في الحقل الدراسيّ نفسِه، ولكن على نحوٍ من التنوّع في مجالات البحث المقارن، ممّا يكشف عن ثقافة د.خليل الشيخ الواسعة، وتمكّنه من عدّة الباحث المختصّ..، يطالعُنا كتابُه التالي «دوائر المقارنة: دراسات في العلاقة النقديّة بين الذات والآخر» (الصادر سنة ٢٠٠٠)، الذي جاء كسالِفَيْه من حيث اشتمالُه على مجموعةٍ من البحوث، التي سَبَقَ نشرُها متفرّقةً في المجلّات العلميّة وأعمال المؤتمرات، وذلك ما بين سنتي ١٩٩٠ و ١٩٩٨، ليؤكّدَ لنا هو الآخر ما سبَقَ الإلماع إليه عند د.خليل الشيخ من نزعة التوغّل في الموضوع الذي يدرسُه إلى أقصى آماده، وكذا التخطيط المسبق الواعي ليكون في أوفى صورةٍ له، فينشرَ بعد ذلك بين دفّتي كتابٍ، على الرغم من التعاطي مع مادّته البحثيّة على فتراتٍ مختلفة.
وتسعى بحوثُ هذا الكتاب، كما يوضّح ذلك د.خليل الشيخ بإيجازٍ على صفحة غلافه الخلفيّ، وهو بسبيل التعريف بها والتقديم لها، إلى «الكشف عن مجموعةٍ من التحوّلات في عالمي الإبداع والنقد في العالم العربيّ الحديث، وتحليل منطلقاتِ تلك التحوّلاتِ ومرجعيّاتها في ضوء إشكاليّة العلاقة بين الأدب العربيّ الحديث والآداب الغربية، وهي تناقشُ ماهيّة تلك التحوّلات من منظورٍ نقديّ مقارن، فتتوقّف عند دراسات التأثير، ودراسات التوازي، وإشكاليّات التلقّي، ودراسات الصورة، ومشكلات ترجمة النصّ الشعريّ، وتهدف من وراء ذلك كلّه إلى قراءة مستويات العلاقة بين الذات والآخر، وتبيان ما أنتجته تلك العلاقة من تحوّلاتّ معرفيةٍ وفنيةٍ وتغيّراتٍ على مستويي الرؤية والمنهج». أمّا هذه البحوث التي يجدها القارئ في هذا الكتاب، ونكتفي هنا بذكر عناوينها، فهي: «ماكس نورداو وجماعة الديوان: دراسة في عمليّة التلقّي من منظور مقارن»، و«الاستجابة والموضوعية: قراءة في نقد محمد حسين هيكل وتأثير النقد الأوروبيّ فيه»، و«أحمد ضيف ومنهج الدراسة النقدية المقارنة»، و«المحاكمة والغرف الأخرى: دراسة نقدية مقارنة»، و«تجربة المرض بين سلفا بلاث وأمل دنقل: مثل من دراسات التوازي»، و«المسرح الأوروبيّ في كتابات المثقّفين العرب في القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين»، وأخيراً، «إشكاليّة ترجمة النصّ الشعريّ العربيّ الحديث: مثال ألمانيّ».
وفي إطار ما سَبَقَ من أعمال د.خليل الشيخ، يندرجُ مجموعُه النقديّ الأخيرُ، في مسيرته العلميّة الجامعيّة، وهو كتابُه «السّيرة والمُتخيّل: قراءاتٌ في نماذجَ عربيّةٍ معاصرة» (٢٠٠٥)، الذي جاء ينضمّ على إحدى عشرة دراسة، نُشرتْ ما بين سنتي ١٩٨٩ و ٢٠٠٠. وهي، كما يوضّحُ في مقدّمته (ص١٢) «تتوزّع على غير بلدٍ عربيّ، وتنتمي إلى أزمانٍ متباينة، تبدأ من الثلث الأخير من القرن التاسع عشر، وتنتهي بأعمالٍ صدرتْ في مطلع الواحد والعشرين». كما يبيّنُ بعد ذلك مباشرة ما يتغيّاه من هذا التوزّع المكانيّ والامتداد الزمانيّ، وهو «إبراز ما في هذا المشهد من سماتٍ، وما عرَفَه من تحوّلاتٍ، وما انطوى عليه من قضايا وإشكالاتٍ». ومن هذه العناوين التي تطالعنا في هذا المجموع النقديّ، الذي يختصّ بفنّ السيرة الذاتية، على سبيل التمثيل: «سالمة بنت سعيد: في مواجهة الشمال» و«توفيق الحكيم: ثنائية الزهرة والسجن»، و«مرايا نجيب محفوظ، ورواية التكوّن الذاتيّ»، و«فدوى طوقان، وجدليّة الشعر والسّيرة»، و«البئر الأولى، وتجلّياتها في سرود جبرا إبراهيم جبرا»، وتحوّلات الشخصيّة في غربة الراعي لإحسان عبّاس.
ولعلّ من السهولة أنْ نتبيّن أسبابَ عناية د.خليل الشيخ بهذا الجنس الأدبيّ خاصّة، إذ كان وثيقَ الصّلةِ بالمنهج الذي آثره وسار عليه في مقاربته للظواهر والتجارب الأدبية والنقدية الحديثة، وهو بصَدَد البحث في جذورها، وتفسيرها، ومحاولة تنويرها من أبعادها المختلفة. فهذه النماذج من السّيرة الذاتيّة العربيّة المعاصرة، التي يتولّى قراءتها في هذا الكتاب، كما يقول (ص٩): «نصوصٌ تنشغل بالأنا: تاريخِها وسماتِها وبيئتها وعلائقها ومعاناتها وتجاربها وتحوّلاتها... وهي أنا بعينها، لها وجودُها المشخّص، وكيانها الحيّ، وهويّتها المميّزة، ومنجزها المعروف. وهذه الأنا تحكي تاريخها الشخصيّ، في خضمّ تاريخٍ جمعيّ تتحرّك في إطاره، وتتشكّل ضمن إيقاعه ونبضه». وعليه، فإنّ دراسة هذا النّوع من الكتابة تحديداً من أعمال الأدباء أمرٌ مِنْ شأنه أنْ يُضوّئ غيرَ قليلٍ من المساحات والزوايا المعتمةِ في مسيرتهم الحياتيّة، وأنْ يكشفَ عن تفاصيلَ دقيقةٍ كان لها انعكاساتُها الخطيرةُ والمؤثّرة في صناعتهم الأدبيّة، واتجاهاتهم الروحيّة والفكريّة والفنيّة. وربّما يتّضحُ هذا، في سياق الحديث عن منهج د.خليل الشيخ، فيما أومأ إليه، في دراسته لسيرة جبرا «البئر الأولى..»، التي راح يتوقّف فيها صاحبُها عند طفولتِه، إذ يرى أنّ حديثَ جبرا عن هذه المرحلة منْ عمرِه، يُعدّ (ص١٣٣) «حدثاً مُهمّاً بالنّسبة لنقّاد جبرا ودارسيه». فعلى الرغم من أنّ هذا الجزءَ من سيرته الذاتية «لا يستطيع أنْ يفسّر لنا الكثيرَ ممّا يحتاجُ إلى تفسير في إنتاج جبرا، فإنه يُلقي ضوءاً ساطعاً على أدب جبرا الروائيّ والقصصيّ، ويسهّل من مَهمّة الناقد الذي يهدفُ إلى استيعاب الفنّان أوّلاً، لكي يتمكّن من تحليل فنّه في المقام الثاني». هذا، فضلاً بطبيعة الحال عمّا كان يقصدُ إليه د.خليل الشيخ من وراء إخراج هذا الكتاب من سدّ ثغرةٍ في مجال التلقّي النقديّ لهذا الفنّ الأدبيّ، الذي أخذ يتطوّر ويتواتر النّتاجُ فيه في معظم الأقطار العربية، دون الاحتفال الكافي به على أهمّيته الكبيرة، بالنّظر إلى مجمل التجربة الأدبيّة أو النقديّة لصاحب السّيرة.
وأخيراً، يأتي كتابُه «سرديّة محمود درويش الشعريّة: دراسة في تشكّلات القصيدة وتحوّلاتها»، (الصادر في ٢٠٢٦، ويقع في أكثر من ٥٠٠ صفحة، من القطع الكبير)، ليمثّلَ حالةً استثنائيةً في طريقة تأليف د.خليل الشيخ لكُتبه النقديّة، إذ جاء هذا السّفر على ضخامته دُفعةً واحدةً، بخلاف ما سبقت الإشارة إليه من أعماله، وأحسبُ أنّ ذلك يعود إلى انعتاقه منذ سنة ٢٠٢٢ من العمل الجامعيّ، وما كان يتطلّبه من الأبحاث القصيرة نسبيّاً التي تقع في حدودِ ما يحتملُه النشرُ في المجلّات العلميّة.
كما يمثّل هذا الكتاب، في رأيي، حالةً استثنائيةً بالنّظر إلى كلّ ما كُتب عن درويش وفنّه الشعريّ، على الرغم من الأعمال الكثيرة التي تعاورتْ ذلك، إذ جاء يجُبّ ما قبله بلا استثناءٍ، وذلك ممّا يحور في المقام الأول إلى تراحب منهج د.خليل الشيخ في دراسة تجربة درويش الإبداعية، ذلك المنهج الذي لا يطيقُه إلا أولو العزم من النقّاد، بما ينهضُ عليه من الإيمان العميق بالعلاقة الجدليّة بين المبدع في سياقه الإنسانيّ والواقعيّ..، والنصّ الفنيّ الذي يكتبه، معبّراً من خلاله عن تجاربه ومواقفه ومراداته المختلفة..، خلافاً لما هو سائدٌ اليومَ في حياتنا النقديّة من التعاطي الجزئيّ في دراسة تجارب الشعراء وأعمالهم، الأمر الذي كثيراً ما يؤدّي إلى نتائجَ وخيمةٍ على صعيد فهم هذه التجارب أو الحكم عليها.
ومن هنا نتبيّن سرّ اختيار د.خليل الشيخ لكلمة «سرديّة» في العنوان، إذ كانت هذه الكلمة من الدقّة في توصيف عمله في هذا الكتاب، سواء على صعيد رؤيتِه لتجربة درويش الشعرية (ص٢٠) «بوصفها مشروعاً نامياً، مُتجدّداً..»، أو منهجِه التّكامليّ في مقاربتِها، الذي يُعاينُ ويحلّلُ في الوقت نفسه أدقّ التفاصيل في سيرتِه وقصيدتِه، لاستبانةِ الخيطِ النّاظم لحركةِ هذه التجربة الإبداعيّة العملاقة في تطوّرها وتحوّلاتها المختلفة، وتقديم صورةٍ لدرويش/ الشاعر، تتميّز بوضوحِ ملامحِها واتساقِها. والحقّ أنّ تجربة درويش الشعرية كانت في مسيس الحاجة لمثل هذه الدراسة الضافية لناقدٍ كبيرٍ في قامةِ د.خليل الشيخ، بغيةَ استجلاءِ أبعادها المتعدّدة، ومحاولة الإجابة عن كثيرٍ من التساؤلات الصّعبة التي تتعلّق بها..، ليذكّرَ هذا العمل بعدَدٍ من الدراسات المُهمّة التي أتيحتْ لبعضِ الشعراء العرب الكبار، من مثل «المتنبي» (١٩٣٦) لمحمود محمد شاكر، و«الصّومعة والشّرفة الحمراء: دراسة نقدية في شعر علي محمود طه» (١٩٦٥) لنازك الملائكة، و«بدر شاكر السيّاب» (١٩٦٩) لإحسان عبّاس، وغيرها.