عندما يتجاوز النص الورق إلى العقول الواعية والأرواح العطشى للحكايات، وعندما يأتي ابن القرية لنا بالبحر والحقل والمراعي ونايات الرعاة، وعندما يسحب لنا الكاتب الماضي لنعيشه حاضراً، وعندما يأتي بالحدث الذي قد يقع يوماً في الزمن القادم لنراه ماثلاً أمام خيالنا روايةً طازجة التفاصيل؛ عندها ندرك أن هاشم غرايبة حرر لنا هوية جديدة لوعينا وقراءتنا، ودفعنا لنعيش أزمنته بذكاء. أديبٌ يداعب بحبره الكلمات، فتنساب الحكايات متجاوزة المعنى البسيط إلى المغزى العميق.
فهو باللغة يسعى كروائي إلى أن يكسر الحدود التقليدية للسرد من خلال توظيف لغة عالية تجمع بين البساطة والرمزية، ليخاطب جميع العقول في آن، هو الذي وقع في حب قصص الناس عن الأشياء غير المرئية. في إبداعه الشامل من الرواية والقصة والمسرح نرى ثقل اللغة وبُعد المعنى، يجرح الحكاية فيكشف ألمها، فكيف لا تأتي أعماله صادقة عندما تكون الداء والدواء، وضماد الجرح لكنه ضمادٌ من ملح وحقيقة؟!
هاشم غرايبة يضع القارئ أمام عوالم مملوءة بالدهشة والتساؤل؛ أسئلة كبيرة أمام حكايات طاعنة في الواقع والحلم والألم. يحمل الحس الإنساني الرقيق، والأبعاد الصاخبة للواقع، والغوص في أعماق النفس. يقدم نفسه بالشخوص ويقدم الشخوص بهموم الحياة، ويحرك على جغرافيا الرواية الأحداث والأزمنة والشخصيات بذكاء وحكمة. يقدم علاقات معقدة بين الأفراد وأنفسهم، يلعب دور الراوي العليم حيناً، والغائب عن المصير حيناً آخر.
بين الدين والتاريخ والعادات والتقاليد والسلطة يقف حكماً وحاكماً ومواطناً. يبدأ الرواية كما يبدأ الفلاح حرث أرضه، ويقدم النهاية كما يسعى الفلاح مثابراً لموسم الحصاد، وما بين البداية والنهاية فصول لا تنتهي من العطاء والخير تارة، ومن الحرمان والفقد تارة أخرى. يتشرب المجتمع ويقدمه بجميع أطيافه حكاياتٍ متشابكة على ورق؛ تسمع سهر الحصادين وغناء النساء القادمات من الغدير، وتشمّ رائحة الخبز الطازج القادم من عملية الخبز التي تتم بعد الفجر مع صياح ديك القرية. كوشاح مطرز تُقدَّم لنا الحكايات تداعبها ريح المواسم المحملة بالخير.
بين جمل روايات هاشم غرايبة نتنشق رائحة التراب الندي بالماء وعرق الفلاحين، ونلمس رطوبته بين الفواصل. تكشف لنا روايات هاشم علاقته الصادقة ببيئته الطيبة، وذاكرته الوفية للقرى الأردنية؛ يقدم لنا التركيبة الجينية للفلاح والمنصهرة في جينات الكاتب الفطن.
بين عدة مشاهد في رواية «البحار» للكاتب هاشم غرايبة نجد أنه يسرد الحياة الرمثاوية الفلاحية، يسردها بما أوتي من ذكاء في نقل المشهد، واستخدام تقنيات لغوية فريدة من واقع المجتمع، ومفردات كانت تُستخدم في المجتمع الرمثاوي كمشهد، وعلاقة المرأة البسيطة بمن حولها واستحضار عاطفتها وحديثها ودورها كأم وأخت وزوجة، وتسليط الضوء على حياة الفلاحين وهمومهم وانشغالاتهم.
ولأنه ليس مؤرخاً أو إعلامياً في نقل الأحداث، تبنى شخصيات لم يعايشها؛ كانت مزيجاً بين ما هو واقعي وخيالي. طرح الواقع بخياله الذي استعان بثقافته ووعيه وفلسفته، وأحيا شخصيات من الخيال تعيش واقع الحال. نقل القارئ من جيل الحروب والثورة وبيئة الفلاحين إلى جيل التكنولوجيا وتحديات العصر والانفتاح والتحضر. بين ماضٍ وحاضر ومستقبل خيطٌ أسماه هاشم غرايبة «الرواية» ورسم له ملامح واضحة متينة، أقنع القارئ بنقاء القرى وجمال تلك الفترة التي كانت السهول الخضراء فيها مرتع طفولته، واستسلامه أمام التطور التكنولوجي السريع وتبدل أحوال الناس.
ولأن الرواية جنس أدبي «لا قانون له» -كما قالت مارت روبير- فإن كل القوانين أمام قلم هاشم غرايبة تنصاع لإدارته وتوجيهه. بين أن يقدم رواية وسيرة ذاتية يكمن ذكاؤه الأدبي؛ يقترب بأدواته من الرواية بخيال خصب، ثم ينتقل إلى السيرة الذاتية من خلال السرد الواقعي وتحري الصدق، والاستعانة بالذاكرة والذكريات والموروث الشعبي. وكان غرايبة قد قدم الرواية بمزيجٍ من هذا كله وصهر عناصرها بخبرة وبلاغة وتشويق في الأحداث.
يقول الكاتب عدنان قازان عن هاشم غرايبة: «هو الكاتب الذي يجسد في نصوصه حكمة الياسمين وقوة الثورة، أعماله تجارب تُعاش تفتح آفاقاً جديدة للفكر والوجدان. إنه أديب لا يكتفي بتوثيق الواقع، بل يسعى دائماً إلى تغييره، تاركاً بصمة لا تُمحى في تاريخ الأدب».