وقد بذل الأردن، منذ تأسيس الدولة، جهودًا متواصلة لتطوير مصادره المائية وتأمين احتياجاته المتزايدة، واعتمد بدرجة كبيرة على المياه الجوفية، إلا أن الإفراط في استغلال العديد من الأحواض أدى إلى استنزافها وتراجع نوعية المياه فيها وارتفاع ملوحتها، الأمر الذي حدّ من إمكانية الاعتماد عليها مستقبلًا لتلبية الاحتياجات البلدية.
ويأتي مشروع الناقل الوطني للمياه باعتباره تحولا استراتيجيًا في منظومة الأمن المائي الأردني، والذي يمثل إنجازًا استراتيجيًا بالغ الأهمية، لكنه في الوقت ذاته يضع قطاع المياه أمام مرحلة جديدة من التحديات، خصوصًا في ظل ارتفاع كلفة إنتاج ونقل المياه، مع ضرورة تحقيق الاستدامة المالية للقطاع والحد من تنامي أعبائه ومديونيته.
إن استمرار النموذج الهيكلي الحالي لقطاع المياه، قد لا يكون كافيًا للتعامل مع التحديات التي ستنشأ بعد تشغيل الناقل الوطني.
فزيادة كميات المياه المتاحة سترافقها زيادة في تكاليف الإنتاج والنقل، الأمر الذي يتطلب شركات مياه أكثر استقلالية ومرونة وقدرة على اتخاذ القرار والعمل وفق أسس تجارية.
فالتحضير لمرحلة ما بعد تشغيل الناقل الوطني يتطلب وضع رؤية وطنية متكاملة للأمن المائي، لا تركز على جانب زيادة المصادر فقط، وإنما تربط بين الأمن المائي والاستدامة المالية وكفاءة الإدارة وخفض التكاليف. وهذا من الممكن أن لا يتحقق إلا من خلال إتاحة مجال أوسع للقطاع الخاص للمشاركة الاستراتيجية، ضمن نموذج واضح مع شركات المياه القائمة، وبما يضمن الحفاظ على ملكية الدولة للمصادر المائية وللأصول الاستراتيجية للخطوط الرئيسية الناقلة وحماية المصلحة العامة.
إن الشراكة الاستراتيجية مع القطاع الخاص يجب أن ينظر إليها باعتبارها أداة أساسية ضمن منظومة إصلاح القطاع فالتجارب الدولية والممارسات المحلية أثبتت أن الشراكات الناجحة، عندما تقوم على عقود متوازنة وأهداف واضحة ومؤشرات أداء دقيقة ونماذج مالية مدروسة، يمكن أن تسهم في رفع الكفاءة وتحسين جودة الخدمات وجذب الاستثمارات ونقل المعرفة والتكنولوجيا.
والمقصود هنا بالشريك الاستراتيجي القيام بتأسيس شركة مساهمة عامة أردنية تتملّك ما لا يزيد عن 20% من أصول شبكات التوزيع ضمن مسؤولية شركات التوزيع والدخول في تحالفات دولية تتيح نقل الخبرات والمعرفة المتقدمة في إدارة وتشغيل خدمات المياه والصرف الصحي. وهذه ليست وصفة سحرية، بل تتطلب أولًا حوكمة رشيدة، وإطارًا قانونيًا وتنظيميًا واضحًا، وعقودًا متوازنة، وآليات رقابة فعالة، ومؤشرات أداء قابلة للقياس، وآليات شفافة للمحاسبة.
وفي المقابل، ينبغي أن تكون هناك ضمانات واضحة تحمي الدولة والمواطن والشريك الاستثماري في آن واحد، وتمنع تضارب المصالح، وتضمن استمرارية الخدمة، وتحدد بوضوح مسؤوليات كل طرف.
ومن المؤكد أن الناقل الوطني يمثل خطوة تاريخية نحو تعزيز الأمن المائي الأردني، لكنه يجب أن يكون بداية لمرحلة جديدة من إصلاح قطاع المياه، فالمشروع سيزيد إمدادات المياه، لكن ضمان استدامة أهدافه يتطلب إدارة أكثر كفاءة، وفاقدًا أقل، وتحولًا رقميًا، واستخدامًا أوسع للطاقة المتجددة، ونموذجًا ماليًا قادرًا على تحمل التكاليف المستقبلية، لذلك، فإن الشراكة الاستراتيجية لا تعني التخلي عن مسؤولية الدولة، وإنما يمكن أن تكون أداة وطنية لإعادة هيكلة القطاع ورفع كفاءته وتعزيز قدرته على الاستدامة.
وختاماً، لم يعد كافيًا أن نبحث فقط عن مصادر جديدة، بل أصبح من الضروري البحث أيضًا عن طرق جديدة لإدارة هذه المياه، فالناقل الوطني قد يوفر كميات إضافية من المياه، لكنه لن يوفر وحدهُ الإدارة الرشيدة، ولن يخفض الفاقد، ولن يرفع كفاءة التحصيل، ولن يضمن الاستدامة المالية، فهذه مسؤولية المرحلة المقبلة. وإذا كان الأردن قد خاض معركة تأمين مصادر المياه، فقد آن الأوان لخوض معركة كفاءة إدارتها. ومن هنا، فإن الشراكة الاستراتيجية مع القطاع الخاص ليست خيارًا ثانويًا، بل متطلب أساسي لمواجهة مستقبل الأردن المائي، وربما خيار حتمي لمستقبل الامن المائي الأردني.