كتاب

ماحص.. سردية من التاريخ الأردني الغني

من على تلة ترتفع 800 متر عن سطح البحر، على بعد عشرة كيلومترات فقط غرب عمّان، تقف ماحص بوابة تطل على وادي الأردن والضفة الغربية، ويرى أهلها في يوم صافٍ أسوار القدس في الأفق.

بلدة جبلية صغيرة اليوم، لكن اسمها وحده يفتح بابًا لتاريخ يمتد من الفراعنة إلى العثمانيين.

البداية من الاسم.. في مصر الفرعونية كان هناك إله حرب برأس أسد اسمه 'ماحس - Maahes'، ويكتب أيضًا ماحيس ومايهس؛ تقول الموسوعات المصرية إنه إله حرب قديم برأس أسد، واسمه يعني 'هو الذي يكون صادقًا بجانبها'، وكان يُنظر إليه على أنه ابن الإله الخالق بتاح والإلهة القطة باستت أو سخمت، ولقبه في النصوص المتأخرة 'سيد المذبحة وحامل السكين' الذي يعاقب منتهكي الماعت. التشابه اللفظي مع 'ماحص' لافت، ومعناه المصري 'الذي يرى إلى الأمام' أو البصير قريب من معنى الفحص في العربية، لكنه يبقى تشابهًا لفظيًا حتى الآن، دون دليل أثري على معبد له في البلدة.

أما الحكم الفرعوني نفسه فليس تشابهًا، فقد حكم الفراعنة هذه الأرض بالفعل لنحو 400 عام، حين كانت بلاد الشام ولاية مصرية، وهو ما سجلته حملات تحتمس الثالث في معبد الكرنك بين 1458 و1438 قبل الميلاد.

الرواية الأكثر رسوخًا عن ماحص تأتي من دراسة الباحثة باسمة حمارنة عن الطبوغرافيا المسيحية في الأردن. تذكر الدراسة أن ماحص نشأت في العصر الروماني كنقطة تفتيش على وادي شعيب، حين كانت تحد بين بيريا اليهودية من جهة، وأراضي فيلادلفيا - عمّان الرومانية من جهة أخرى، وفي العصر البيزنطي أصبحت الحد بين أبرشيتي جدارا وفيلادلفيا.

ومن هنا جاء الاسم العربي 'محص' بمعنى الفحص والتدقيق، لأنها كانت مركز جمارك يفحص البضائع القادمة من وادي الأردن إلى جبال البلقاء.

البلدة بقيت صغيرة ومتقلبة، والرحالة السويسري بوركهارت، الذي عبر المنطقة عام 1812م في طريقه من السلط إلى عمّان، لم يذكرها بالاسم، لكنه سجل حقول قمح قرب خلدا على الطريق الحالي إليها.

أول من ذكرها صراحة كان الأمريكيان روبنسون وسميث عام 1838م، وكتبا أنها لوحظت جنوب السلط وكانت في حالة خراب، بضع بيوت طين مهجورة بعد سنوات من ضعف السيطرة العثمانية.

في العهد العثماني، الذي امتد أربعة قرون وكان فترة ركود عام في الأردن، كانت البلقاء أرضًا مهمشة، وهمّ الدولة الوحيد فيها تأمين قافلة الحج بدفع المال للقبائل.

وإداريًا، كانت ماحص في بدايات الحكم العثماني تابعة للواء عجلون، أحد الألوية الرئيسية التابعة لولاية دمشق الشام سنة 1538، كما هو مبين في دفتر مفصل لواء عجلون المحفوظ في أرشيف رئاسة الوزراء بإسطنبول، رقم 970، ثم أصبحت في أواخر العهد تابعة لقضاء السلط.

وفي آخر تعداد عثماني لها ظهرت من جديد كقرية، وعدد سكانها 505 نسمة في تعداد 1915م لقضاء السلط؛ وفي تعداد 1961م الأردني أصبح العدد 1154، قبل أن تتحول في الثمانينيات إلى بلدة كبيرة.

ماحص حافظت على ما يميزها: الماء، إذ تشتهر بعيون الماء العذبة التي يجاوز عددها 270 عينًا في حدودها، ولعل أهم هذه الينابيع نبع عين ماحص الذي لا ينقطع ماؤه صيفًا أو شتاءً، وبساتين التين والرمان والزيتون، وإنتاج الكاولين، وأشجار البلوط والسنديان التي يزيد عمر بعضها على مئات السنين.

وفي قلبها يقوم مقام الخضر، عبارة عن غرفة واحدة محاطة بحديقة صغيرة؛ بُني بشكله الحالي عام 1840م في أواخر العهد العثماني، وفي فنائه شجرتان معمرتان؛ وعلى بعد كيلومترين في وادي شعيب يقع مقام النبي شعيب.

بالنسبة للتعليم، هناك سجلان تربويان لمدرسة ماحص يثبتان أن أول مدرسة نظامية بدأت عام 1917م.

لقد تركت كل إمبراطورية مرت فيها سطرًا باسمها، وباتت اليوم عامرة بالتعليم والخدمات في زماننا الأردني المعاصر، حيث أرض ينتمي إنسانها بوفاء للأردن وعرشه الهاشمي.