كتاب

حوكمة الذكاء الاصطناعي في التعليم

يُعيد الذكاء الاصطناعي وبشكل متسارع تشكيل المجتمعات والحياة اليومية، ولعل التعليم من أكثر المجالات التي بات يؤثر في إعادة تشكيلها، وتغيير ملامحها، بل تغيير مرتكزاتها الأساسية. ومع تنامي تطبيقات الذكاء الاصطناعي في التعليم وانتشارها الواسع دون ضوابط تنظم آليات وطرق استخدامها، لا يحقق في ذات الوقت ابتكار استراتيجيات وطرق لاستخدام الذكاء الاصطناعي تعزز جودة عمليات التعليم مواكبة لشيوع الاستخدام المتصف بالفوضى. وهذا ما يدفع نحو ضرورة اتخاذ تدابير وأساليب منهجية بهدف توجيه ومراقبة تطور الذكاء الاصطناعي وتطبيقاته في التعليم، أو بسياق آخر حوكمة الذكاء الاصطناعي في التعليم.
ويتضح للعاملين في ميدان التعليم الأثر الإيجابي والفعال لاستخدام برامج الذكاء الاصطناعي في حال تم ذلك في سياق يضاعف التحصيل العلمي، والدافعية للتعلم، ويوفر الجهد في الوصول للمعلومة، ولكن في الوقت نفسه يتنامى الاستخدام السلبي لهذه البرامج في إنجاز مهام التعلم، والتقويم، ويتعمق الاعتماد المفرط، وتشوه الامانة العلمية والأكاديمية، وتبرز حوكمة الذكاء الاصطناعي كإطار عمل لمعالجة هذه التحديات.
يشير مصطلح حوكمة الذكاء الاصطناعي في التعليم إلى الأطر والسياسات والعمليات التي توجه التطوير والاستخدام المسؤول والأخلاقي لتقنيات الذكاء الاصطناعي، ووضع القواعد والمعايير والسياسات التي تضمن استخدام تقنيات وأنظمة الذكاء الاصطناعي بشكل آمن، وعادل، وأخلاقي داخل المؤسسات التعليمية. لذلك لا تعني حوكمة الذكاء الاصطناعي في التعليم مجرد سياسة استخدام إحدى تقنيات المعلومات، أو بيان الاستخدام المقبول.
إلى جانب السياسات والأطر التي تضبط الاستخدام السلبي وغير القانوني للذكاء الاصطناعي في التعليم، يجب العمل في مسار موازٍ لصياغة نظم حوكمة الذكاء الاصطناعي بحيث تعزز جودة التعليم، والابتكار، والممارسات التدريسية، ومهارات البحث العلمي، وكافة عمليات المناهج الدراسية. كما يمكن أن تعمل هذه النظم على تجاوز تحديات باتت مقلقة في ميدان التعليم، وفي مقدمتها تراجع الشغف بالتعلم. كما يتوجب أن تستند عملية حوكمة الذكاء الاصطناعي إلى قيم الشفافية والإنصاف، والمساءلة، ومنع التحيز وانتهاك أخلاق البحث العلمي.
يرى بعض المتخصصين صعوبة ضبط الاستخدام العشوائي لبرامج الذكاء الاصطناعي الذي لا يعود على نتاجات التعلم بأثر نوعي، رغم المحاولات والإجراءات الجادة التي تبذلها الحكومات ونظم التعليم عبر العالم في حوكمة هذا الاستخدام، ومع ذلك يجب المضي قدماً في هذا المجال وبذل أقصى الجهود، إضافة إلى حشد الجهود لتعاون دولي، والبناء على ما تقدمه المؤسسات الدولية من مساهمات تعمق الاستخدام الإيجابي على حساب الفوضى والسلبية، وفي مقدمة هذه المؤسسات اليونسكو التي ترى ضرورة معالجة التداعيات الاجتماعية، وضمان المساءلة، وتعزيز الابتكار المسؤول في مجالات العلوم والتكنولوجيا، كما تؤكد على أهمية الاعتبارات الأخلاقية في تحديد تأثير الذكاء الاصطناعي على المجتمع.
Rsaaie.mohmed@gmail.com