المقابلة الفكرية هنا لا تقف عند حدود الانطباعات السياسية المعتادة، بل تتجسد في زاوية الرؤية وحسابات القيمة؛ فبينما تحصر بعض القراءات المحلية والإقليمية الشراكة مع الصين في نطاق يقيس الجاذبية بحجم السوق الاستهلاكي الأردني، تقرأ العقلية التخطيطية والاستراتيجية في بكين الأردن عبر معيار مختلف تماماً: معيار القيمة المضافة والموقع الوظيفي الحاكم.
فالأردن في الحسابات الجيواقتصادية الصينية هو ممر لوجستي آمن وشريان حيوي يربط خليج العقبة بالداخل العربي، ومستودع تشغيلي وجغرافي متقدم لمشاريع إعادة الإعمار المرتقبة في المشرق العربي. تتجاوز الصين فكرة "حجم السوق" لتنظر إلى الأردن كـ منصة ارتكاز إقليمية تملك مفاتيح النفاذ التفضيلية؛ إذ تتقاطع جغرافية المملكة مع شبكة واسعة من اتفاقيات التجارة الحرة الدولية، مما يمنح رأس المال الصيني مخرجاً تصنيعياً وتجميعياً عالي الكفاءة .
ومن هذا المنطلق التأسيسي، تتبدل معادلة العلاقة برمتها: فالأردن يقدم للصين شرعية منشأ، واستقراراً مؤسسياً، وجغرافية اتصال" يجعلانه النقطة الأنسب لترسيخ مبادرة الحزام والطريق في المنطقة.
ويتضاعف وزن هذه الميزة عند اقتران الجغرافيا السياسية بالبنية التشريعية؛ إذ يمنح الأردن الشريك الصيني مخرجاً استثمارياً استثنائياً يتجاوز الجدران الجمركية الدولية، ويمكن أن تتحول الأرض الأردنية إلى منصة تصنيعية وتجميعية فائقة المرونة .
إن تجاوز اختلال الميزان التجاري الحاكم للعلاقة والذي يميل لصالح بكين بمليارات الدولارات سنوياً ،يتطلب انتقالاً حقيقياً من نمط استيراد السلع النهائية إلى توطين سلاسل القيمة والتكنولوجيا الصينية في قطاعات الطاقة المتجددة، واللوجستيات، والصناعات التحويلية.
ما يضمن استدامة هذه الشراكة ويمنحها عمقها الحقيقي هو القوة الناعمة التي تجد في الأردن حاضنة نموذجية؛ فالصين تبني حضورها عبر الدبلوماسية الثقافية والتعليمية بدءاً من توأمة البترا وسور الصين العظيم، مروراً بالتبادل الإبداعي، وصولاً إلى التوسع الأكاديمي في معهد كونفوشيوس وهي أبعاد تؤسس لبيئة معرفية تحمي الاستثمارات وتصيغ عقولاً قادرة على إدارة هذه الشراكة الاستراتيجية.
إن تعظيم الاستفادة من هذه المزايا الاستراتيجية يستدعي مواصلة العمل على تعزيز جاهزية البيئة الاستثمارية لتكون أكثر مرونة وتنافسية؛ فالاستثمارات الصناعية الكبرى تتطلب استجابة مرنة في الإجراءات، ومعالجة كلف التشغيل كالطاقة والنقل، وضمان الاستقرار التشريعي.
إن تحويل الأردن إلى منصة إقليمية يقتضي الانتقال من عقليّة البحث عن مستثمر إلى بيئة جاهزة للاستثمار، تفرض نقل المعرفة وتوطين التكنولوجيا، كي لا يبقى المأمول الأردني حبراً على ورق العلاقات الدبلوماسية. لقد فتحت الزيارة الملكية الباب على مصراعيه؛ فالصين تبحث عن منصة تصنع منها مستقبل حضورها الإقليمي.