لم تعد الشهرة في عصر السوشال ميديا بحاجة إلى بوابة اعلامية أو صحفية أو حتى شركة إنتاج كبرى، فقد أصبح الهاتف الذكي منصة مفتوحة يستطيع من خلالها أي شخص أن يصل إلى آلاف أو ملايين المتابعين خلال فترة قصيرة في تحول أعاد رسم قواعد صناعة الشهرة ونقل جزءا كبيرا من سلطة صناعة النجوم من المؤسسات الإعلامية التقليدية إلى المنصات الرقمية والجمهور والخوارزميات.
بعضهم ينظر إلى هذا التحول باعتباره انتصارا للتقدم الرقمي وإتاحة الفرصة أمام المواهب التي كانت تجد صعوبة في الوصول إلى الإعلام التقليدي فيما يرى مختصون أن الصورة باتت أكثر تعقيدا فالمستخدم قد يملك حرية النشر لكن الوصول إلى الجمهور ما يزال محكوما بخوارزميات تحدد أي محتوى يظهر وأي محتوى يبقى بعيدا عن دائرة الضوء.
إذا، من يقرر صناعة الشهرة في الماضي؟ كانت الشهرة تمر غالبا عبر مؤسسات تمتلك أدوات الاختيار أما اليوم فقد أصبح الطريق أكثر انفتاحا لكن ليس بالضرورة أكثر عدالة، فالخوارزميات تراقب مؤشرات مثل المشاهدة والتفاعل والمشاركة ومدة بقاء المستخدم مع المحتوى ثم تستخدم هذه الإشارات في ترتيب المحتوى واقتراحه.
باحثون أكدوا أن الخوارزميات أصبحت عمليا جزءا من نظام صناعة الشهرة ذلك أنها تستطيع منح محتوى ما انتشارا واسعا بينما تحد من وصول محتوى آخر حتى لو كان صاحبه يمتلك موهبة أو معرفة حقيقية.
اذاً أصبحت الشهرة بلا حراس ولكن أيضا بلا ضمانات، وهو أحد أبرز التحولات التي أحدثتها السوشال ميديا في إسقاط ما يمكن تسميته «حراس البوابة التقليديين»، فلم يعد الفنان أو الصحفي أو الكاتب أو صاحب المشروع بحاجة بالضرورة إلى موافقة مؤسسة إعلامية كي يبدأ بناء جمهوره.
لكن إزالة الحواجز التقليدية لا تعني بالضرورة أن الشهرة أصبحت قائمة على الموهبة وحدها حيث يشير مختصون إلى أن الشهرة الرقمية قد تفصل بين الانتشار والسمعة إذ يمكن لشخص أن يحقق ملايين المشاهدات دون أن يؤدي ذلك بالضرورة إلى امتلاك سمعة أو مكانة ما.
يوضح الباحث في شبكات التواصل الاجتماعي وتأثيرها على الشباب والتربوي الدكتور خالد الجبور ان القاعدة الأساسية في البيئة الرقمية أصبحت بسيطة، وهي أن من يملك انتباه الجمهور يمتلك قيمة اقتصادية وإعلامية، مشيرا الى تحول المشاهدات والإعجابات والمشاركات إلى نوع جديد من رأس المال فكلما ارتفع التفاعل زادت احتمالات انتشار المحتوى وارتفعت معه فرص صاحبه في الحصول على إعلانات أو شراكات أو فرص مالية أخرى.
وأضاف: لم تعد المنافسة فقط بين الفنانين أو الإعلاميين وإنما بين ملايين الأشخاص الذين يتنافسون في الوقت نفسه على الثواني القليلة التي يمنحها المستخدم للمحتوى.
وبحسب المهندس ليث راسم فإن الخوارزمية لا تستطيع بالضرورة أن تحدد ما إذا كان المحتوى مناسباً بالمعنى الثقافي أو الأخلاقي أو المهني وإنما تتعامل مع مؤشرات قابلة للقياس مثل التفاعل والانتشار وسلوك المستخدم نفسه.
وأضاف: هذا قد يؤدي إلى إعطاء الأفضلية أحيانا للمحتوى القادر على إثارة الفضول أو الجدل أو المشاعر القوية بدلا من المحتوى الأكثر عمقا أو فائدة، لافتا الى أن الخطر الحقيقي ليس في وجود الشهرة الرقمية وإنما في أن تتحول الشعبية نفسها إلى معيار للحقيقة أو المعرفة أو الاستحقاق، منوها الى أن الشهرة التقليدية كانت تحتاج في العادة إلى سنوات من العمل وبناء الأسماء المشهورة بينما يمكن للشهرة الرقمية أن تحدث خلال ساعات مع السوشال ميديا.
وقال إن المشكلة ليست في الشهرة بحد ذاتها بل في معيارها وأن المعضلة الأساسية ليست أن السوشال ميديا صنعت أشخاصا مشهورين من خارج المؤسسات التقليدية فهذا بحد ذاته تطور إيجابي، محذرا ان المشكلة تظهر عندما يصبح عدد المتابعين بديلا عن الكفاءة، وعدد المشاهدات بديلا عن القيمة والجدل بديلا عن المحتوى الهادف المفيد، منوها أن المجتمع الرقمي يحتاج إلى التمييز بين الشخص المشهور والشخص المؤثر، وبين من يمتلك جمهورا كبيرا ومن يمتلك قيمة حقيقية يقدمها لهذا الجمهور.
وشدد على أن التحدي الحقيقي يكمن في بناء وعي رقمي يجعل الجمهور أكثر قدرة على التمييز ويشجع صناع المحتوى على تقديم قيمة حقيقية ويدفع المنصات إلى مزيد من الشفافية بشأن آليات التوصية والانتشار، لافتا الى أن الخوارزمية تستطيع أن تجعل شخصا مرئيا لكنها لا تستطيع وحدها أن تمنحه قيمة ثابتة.
وأضاف، بالمحصلة قد تكون السوشال ميديا أنهت عصر الرقابة التقليدي لكنها نقلته إلى فضاء جديد أكثر غموضا حيث أصبحت الخوارزميات ومؤشرات التفاعل وسلوك الجمهور شركاء أساسيين في تحديد من يظهر ومن يختفي ومن يتحول إلى نجم ومشهور.