أبودية: أهمية الأشجار تزداد في ظل التحديات المناخية
أكد الخبير البيئي الدكتور أيوب أبودية أن حماية الأشجار والغابات في الأردن لم تعد قضية بيئية فحسب، وإنما أصبحت أولوية وطنية ترتبط بالأمن المائي والغذائي، وحماية التربة والتنوع الحيوي، ومواجهة آثار التغير المناخي، داعياً إلى تعزيز الجهود الوطنية في التحريج والوقاية من الحرائق، وتطوير أدوات الرقابة والحماية بما يضمن استدامة الغطاء النباتي للأجيال المقبلة.
وقال أبو دية إن الأردن يمتلك تجربة وطنية مهمة في مجال التحريج وزيادة الرقعة الخضراء، مشيراً إلى أن استمرار هذه الجهود وتوسيعها يمثلان خطوة أساسية نحو تعزيز الغطاء الحرجي واستعادة جزء من المساحات الخضراء التي كانت موجودة تاريخياً في المملكة.
وأشار إلى أن الغابات الأردنية، رغم محدودية مساحتها، تؤدي أدواراً بيئية واقتصادية مهمة، إذ تسهم في حماية التربة من الانجراف، وتعزيز تخزين المياه وتغذية المصادر الجوفية، وامتصاص الكربون، وتلطيف درجات الحرارة، إلى جانب توفير موائل طبيعية للعديد من أنواع الطيور والثدييات والحشرات، الأمر الذي يجعل الحفاظ عليها استثماراً مباشراً في البيئة والاقتصاد والمجتمع.
وشدد أبو دية على أهمية التعامل مع الأشجار باعتبارها ثروة وطنية، مؤكداً أن حماية الشجرة تبدأ من المحافظة عليها بعد زراعتها، وتوفير احتياجاتها من المياه، وحمايتها من الاعتداءات والحرائق، إلى جانب اعتماد أساليب آمنة في تنظيف الأعشاب الجافة والمناطق المحيطة بالأشجار، بما يمنع نشوب الحرائق دون الإضرار بالغطاء النباتي.
وأوضح أن شجرة بلوط الملول، التي اختارها الأردن شجرة وطنية، تمثل نموذجاً بارزاً للارتباط بين البيئة والهوية الوطنية، لما تتميز به من قدرة على تحمل الظروف المناخية القاسية وطول عمرها، فضلاً عن انتشارها في عدد من المناطق الحرجية في المملكة، خصوصاً مرتفعات عجلون وجرش والسلط وأجزاء من شمال وجنوب الأردن.
وبيّن أن بلوط الملول لا يمثل مجرد نوع نباتي محلي، بل يجسد جانباً من تاريخ البيئة الأردنية وقدرتها على الصمود، كما تشكل غاباته موائل مهمة للتنوع الحيوي، وتؤدي دوراً في حماية التربة والمياه والتخفيف من آثار التغير المناخي، ما يجعل الحفاظ عليها جزءاً من حماية التراث الطبيعي والهوية الوطنية.
ولفت أبو دية إلى أن أهمية الأشجار تزداد في ظل التحديات المناخية الحالية، من ارتفاع درجات الحرارة والجفاف والتصحر وتراجع التنوع الحيوي، مبيناً أن الأشجار تمثل أحد أهم خطوط الدفاع الطبيعية في مواجهة هذه التحديات، من خلال امتصاص ثاني أكسيد الكربون، وتلطيف المناخ، وحماية مصادر المياه والتربة.
وفيما يتعلق بالحرائق، أكد أبو دية أن ارتفاع درجات الحرارة والجفاف والرياح يزيد من قابلية الغابات للاشتعال، إلا أن جانباً مهماً من أسباب الحرائق يرتبط بالسلوك البشري، سواء من خلال إشعال النيران في المناطق الحرجية، أو حرق الأعشاب والنفايات، أو إلقاء أعقاب السجائر، أو الإهمال أثناء الرحلات والنزهات، داعياً إلى رفع مستوى الوعي والمسؤولية الفردية تجاه الغابات.
وأشار إلى أن التعامل مع حرائق الغابات يتطلب الجمع بين الردع والوقاية، من خلال تطوير التشريعات وتعزيز الرقابة وتسريع إجراءات التعامل مع المخالفات، بالتوازي مع تنفيذ إجراءات وقائية تشمل تنظيف الأعشاب الجافة بطرق لا تلحق الضرر بالأشجار، وإنشاء خطوط عازلة حول المناطق الحرجية، وصيانة الطرق الحرجية، وتوفير مصادر للمياه يمكن استخدامها عند الحاجة.
ودعا إلى توظيف التكنولوجيا الحديثة في حماية الغابات، بما في ذلك الطائرات المسيّرة، والكاميرات الحرارية، وأنظمة الإنذار المبكر، وتقنيات الذكاء الاصطناعي التي يمكن أن تسهم في اكتشاف بؤر الحرائق في مراحلها الأولى، وبالتالي سرعة الاستجابة والحد من الخسائر.
وأكد أهمية تعزيز الثقافة البيئية في المدارس والجامعات ووسائل الإعلام، وترسيخ مفهوم أن حماية الغابات مسؤولية مجتمعية مشتركة، وليست مهمة تقع على عاتق الجهات المختصة ورجال الإطفاء فقط، مشيراً إلى أن وعي المواطن يمثل خط الدفاع الأول في حماية الأشجار والحد من الحرائق والاعتداءات.
ودعا إلى تعزيز التعاون الدولي في مجال مكافحة حرائق الغابات والكوارث البيئية، والاستفادة من الإمكانات التقنية المتقدمة، بما فيها الأقمار الصناعية والطائرات المتخصصة وفرق الاستجابة السريعة، لافتاً إلى أن التحديات البيئية لا تتوقف عند الحدود السياسية.
وقال أبو دية إن حماية الغابات يمكن أن تكون جزءاً من منظومة وطنية متكاملة تجمع بين التشريعات والرقابة والتكنولوجيا والتوعية والتحريج، بما يتيح للأردن تعزيز رصيده من الغطاء النباتي وتحسين قدرته على مواجهة آثار التغير المناخي.
وختم أبو دية بالتأكيد على أن الأشجار ليست مجرد عناصر طبيعية في المشهد العام، وإنما ثروة وطنية وسجل حي للذاكرة البيئية، مشدداً على أن حماية شجرة اليوم تعني حماية المياه والتربة والتنوع الحيوي والمناخ للأجيال المقبلة، وأن تعزيز الغطاء الأخضر في الأردن يمثل رسالة إيجابية تعكس قدرة المجتمع على حماية موارده الطبيعية وبناء مستقبل أكثر استدامة.