استيقظت ومددت يدي على امتدادها لأكتم صوت هذا الشيطان الصغير الذي لا يكلّ ولا يملّ يضرب الكرتين.
(فزّيت) من السرير سريعًا نحو الحمام لعمل اللازم كما في كل يوم. بدأت بارتداء ملابسي على أحسن وجه كما في اليوم السابق وحرصت على تلميع حذائي كما يجب. تناولت قليلًا من زعتر وزيت وبعض الحمّص مع جزء من رغيف من طحين قمح من المخبز الشهير الوحيد في الحي بل في المدينة، و يممت متوكلًا على الله تجاه مركبتي بنت سنتها ما قبل الألفين. كانت تنتظرني بدلال وجمال.
ضربت (سلف) وغصت في طريقي. كان الطريق به بعض المركبات التي كانت تسير على مهلها. لاحظت أن عقرب مؤشر البنزين في مركبتي يشير إلى أن خزان البنزين يحتاج أيضًا إلى أن يملأ معدته وكان على حق فآخر مرة ذاق طعم البنزين فيها كانت قبل خمسين يومًا فالسياقة كانت بتؤدة والطرقات لم يكن عليها انتظار كبير يستهلك الوقود عمّال على بطّال.
عرّجت على محطة المحروقات، العامل الموكل ببيع البنزين كان جميل المحيّا، نظيف الملابس و يحفظ مركبتي. قام بتعبئة الخزان حتى الثمالة فشعرت بالمركبة تهتز طربًا. دفعت دينارا وتسعين قرشًا ثمن البنزين والعشرة قروش بقيّة الدينارين إكرامية للرجل ف…رقص طربًا. بعدها يممت شطر جبل الحسين حيث مكتبي.كانت الطريق تعجّ بآحاد المركبات كلّ سائق فيها يحيّي الآخر ويقسم أغلظ الأيمان أن (يبدّيه) في المرور عنه.
استغرقت الطريق من عبدون حتى جبل الحسين مع البنزينات حوالي عشر دقائق .دخلت مصعد البناية، كان نظيفًا ظريفًا كذا الدرج. دخلت المكتب طرحت السلام فهبً الإخوان وقوفًا . وجدت كافة الزملاء العاملين كل في مكانه يرتدي أحسن ما لديه. استعرضتهم فردًا فردًا… الجاكيت والبنطال والحذاء اللامع.
كان لي مشوار على مدينة الزرقاء لمتابعة العمل في مبنى مدرسة اقوم ببنائها لحساب وزارة التربية. امتطيت مركبة(البك آب) خاصتنا برفقة السائق الشاب. كانت الطريق سهلة وميسّرة وخلال ثلث ساعة كنا على سفح الجبل الأبيض.
كان الذاهبون والقادمون إلى ومن المدينتين كل يسير بتؤدة سريعة لهدفه وباب رزقه، كنّا نرى مؤخرة أول مركبة في طابور من عشر مركبات أمامنا من أول طريق الزرقاء حتى جسرماركا وبالعكس.
كنا كلما مررنا على أناس يبادرون بالتحية وكذا نحن. وصلنا للطريق المؤدية لجبل الحسين حتى دوار فراس.كانت الشوارع نظيفة لن ترى عليها قمعة من سيكارة، وكان المشاة يسيرون…يكزدرون على الأرصفة برواقة وكأنهم يتنزهون على شاطئ البحر. لن ترى ورقة بها نتاج مسح النفايات والأنوف تدندن على بلاط الرصيف كذا لن ترى وعاء مشروبات غازية ملقى من نافذة مركبة على الطريق. ولا رفوفًا من صناديق بضائع تعرقل المسير عليها. وصلنا للمكتب حيث مركبتي مركونة بأمان وسلام.
يمّمت ناحية منزلي عبر دوار الرئيس جمال عبد الناصر وكنت أستدير بها بكل يسر ودلال ومنه إلى دوّار عبدون. توقفت بالمركبة قليلًا أمام خيمة نصبت على أرض باتجاه الدوّار ونزلت لأبتاع بطيخ من بائعه فيها. طبطبت على وجه وقفا كل بطيخة حتى صدحت بالصوت الذي أهواه.دفعت عشرين قرشًا ثمن ثلاث بطيخات ومضيت فوصلت منزلي لأفاجأ بمن هو راكن مركبته أمامه دخلت منزلي؛ ,وجلت في أنحائه أحيّي أحبتي فسمعت ردهم همسًا. كان الجميع كلّ يجلس صامتًا وخليويّه… بيمينه بدلًا من كتب قصص لمؤلفين مشهورين كما ظننت بالأمس.