لكن الجانب القاتم هو تحويل هذه النعمة إلى نقمة بإساءة الاستخدام والإساءة واغتيال الشخصية والفبركات وخطاب الكراهية ودس السموم في أوصال هذه الشبكة التي حولت العالم بأسره إلى حلقة تواصل غاية في السرعة، وتدفق هائل للمعلومات بكلف مادية لا تكاد تذكر.
كان من حسن الطالع للبشرية في كل أرجاء المعمورة أن هذه التقنية متاحة للجميع، وانتشرت في كل المجتمعات والدول، ووفرت أفضل البيانات والمعرفة في كل أوجه الحياة، والأهم أنها جعلت المعلومة في المتناول في التو واللحظة، في أي شأن يرغب الإنسان بالاطلاع عليه والاستفادة منه، فقد مكنته من استحضار الماضي بأحداثه وشخصياته وسردياته، ووضعت كل تفاصيلها بين يديه بمجرد نقرة زر.
كما نقلت إليه الحاضر بكل تجلياته وتطوراته، وقربت له المستقبل ليتصوره ويتوقعه ويحاكيه ويستخلص منه الدروس والعبر قبل أن يصل إليه.
كثير من أوجه هذه المعرفة التي باتت تصل الباحث عنها في ثوان معدودة، كانت قبل سنوات ليست بعيدة يتطلب الوصول إلى جزء يسير منها عناء السفر وكلفًا مادية باهظة يعجز الغالبية عن تأمينها.
نحتاج إلى وقت طويل لسرد المزايا والفوائد لهذه التكنولوجيا المذهلة، وكم قدمت للبشرية في قفزة لم يكن متصورًا حدوثها بهذه الفترات الزمنية القياسية، وبهذه التكنولوجيا العظيمة.
لكن بكل أسف، فإن لهذه الصورة الزاهية جانبًا مظلمًا تقترفه فئة من المستخدمين استغلت هذه الوسائل أبشع استغلال ببث محتوى صادم من السوء والسلبية والشائعات والتضليل على حساب الحقائق والمبادئ، محتوى هدام يترك خلفه أضرارًا كبيرة في كل الاتجاهات.
الأصل في عالم السوشال ميديا والتكنولوجيا الرقمية والذكاء الاصطناعي وما يتبع من هذه الوسائل بأن يعي روادها أهميتها ومسؤولية استخدامها، وأن تكون المنظومات الأخلاقية والقيمية هي الحاكمة والناظمة لهذا الاستخدام، وأن تكون القوانين ملاذًا أخيرًا، لكن التضليل والإشاعات وبث السلبية مظاهر غاية في الخطورة، وتمس بحق الأغلبية بفضاء رحب من التواصل الحر والعلم والمعرفة والشفافية والتنوّر.
ولكي يحافظ المجتمع على هذه الحقوق نقية من التشويه، فإن التدقيق والتمييز بين الغث والسمين والضار والمفيد على شبكات التواصل الاجتماعي مرهون بوعي وإدراك يتوافر عليهما غالبية الجمهور العريض المنتشر على الشبكة، برفض ونبذ وعزل المحتوى المسيء، وهذا الجمهور بكل تأكيد قادر على ذلك بإسناد الأطر القانونية في هذا المجال.