وهذا يتطلب منح أولوية أكبر لقطاعات الاقتصاد الحقيقي، وتغيير معيار تقييم السياسة الاقتصادية فبدلاً من عدد البرامج والمبادرات وحجم الانفاق لا بد من توفر مؤشرات إنتاجية واضحة تركز على الأثر الفعلي المرتبط بتحسين حياة المواطنين.
وتأتي الصناعة في مقدمة هذه القطاعات، فالأردن يمتلك قاعدة جيدة في الصناعات الدوائية والغذائية والكيماوية والأسمدة والملابس، والمطلوب هو تعميق التصنيع المحلي، وتطوير الصناعات الوسيطة، وربط الحوافز الاستثمارية بحجم التشغيل والصادرات ونسبة المكون المحلي والبحث والتطوير، فكلما ارتفعت القيمة التي يتم إنتاجها داخل المملكة، زادت قدرة الاقتصاد على الاحتفاظ بالدخل وتقليل الاعتماد على الخارج.
وفي الزراعة، ينبغي الانتقال من التركيز على حجم الإنتاج إلى رفع الإنتاجية والقيمة الاقتصادية للمياه، وهذا يتطلب التوسع في الزراعة الذكية، والمحاصيل الأعلى قيمة، والتصنيع الغذائي، والتخزين والتبريد والتسويق، بحيث تتحول الزراعة إلى سلسلة إنتاج متكاملة ترتبط بالصناعة والتصدير والأمن الغذائي.
أما الطاقة، فهي عنصر حاسم في تنافسية الاقتصاد، واستمرار التوسع في الطاقة المتجددة، وتطوير التخزين والشبكات، يجب أن يترجم بصورة مباشرة إلى خفض كلفة الإنتاج الصناعي والزراعي والخدمي.
ويمتلك الأردن كذلك فرصة مهمة في النقل والخدمات اللوجستية، مستفيداً من موقعه وميناء العقبة وصلاته بالأسواق الإقليمية.
لكن تحويل الموقع الجغرافي إلى ميزة اقتصادية يتطلب تخفيض زمن وكلفة نقل البضائع، وتسريع الإجراءات الجمركية، وتحسين الربط بين المناطق الصناعية والمعابر.
كما تشكل السياحة والخدمات الرقمية والمهنية مصدراً مهماً للعملات الأجنبية وفرص العمل، والتحدي هنا هو زيادة القيمة التي تبقى داخل الاقتصاد، سواء عبر زيادة إنفاق السائح وربطه بالمنتجات المحلية، أو بناء شركات تكنولوجيا وخدمات قادرة على التوسع والتصدير.
أما التمويل فهو جزء محوري من السياسة الإنتاجية، فالقطاع المصرفي الأردني يتمتع بقاعدة مالية قوية، والمطلوب توجيه حصة أكبر من التمويل نحو توسع الشركات المنتجة والمصدرة والمشروعات الصغيرة والمتوسطة القادرة على النمو، مع تطوير أدوات ضمان القروض ورأس المال المخاطر والتمويل طويل الأجل، فالاستثمار المنتج يحتاج إلى تمويل يتواءم مع دورة بناء المشروع، وليس مجرد تمويل قصير الأجل.
إن الانتقال من السياسات إلى بناء القدرات الإنتاجية هو جوهر المرحلة المقبلة، فمستهدفات رؤية التحديث الاقتصادي لن تتحقق بالخطط وحدها، بل باقتصاد أكثر قدرة على أن يصنع ويزرع ويصدر ويبتكر، ويوفر للأردنيين فرص عمل منتجة ومستدامة.