يعقد مجلس الأمة حاليا دورة استثنائية جرى تحديد الموضوعات التي يجوز بحثها خلالها في الإرادة الملكية السامية الصادرة بالدعوة إليها، إلا أن التساؤل الدستوري الأبرز الذي يبقى مطروحا يتعلق بطبيعة الرقابة البرلمانية التي يمكن لمجلس النواب ممارستها خلال هذه الدورة، ومدى تأثرها بالقيد الوارد في المادة (82) من الدستور، التي تحظر على المجلس أن يبحث في أية دورة استثنائية إلا في الأمور المعينة في الإرادة الملكية التي انعقدت تلك الدورة بمقتضاها.
وقد جرى تفسير هذا القيد الدستوري في عدد من القرارات التفسيرية الصادرة عن المجلس العالي لتفسير الدستور، أهمها قراره رقم (4) لسنة 1995، الذي أكد أن اختصاص مجلس النواب في الدورة الاستثنائية ينحصر في الأمور الواردة في الإرادة الملكية السامية، وأنه لا يجوز له ممارسة وظيفته السياسية بطرح الثقة بأي وزير أو توجيه الاستجواب إليه إلا إذا تضمنت الإرادة الملكية هذه الأمور. وفي المقابل، أجاز القرار التفسيري لأعضاء المجلس تقديم عريضة خطية لجلالة الملك لإضافة موضوعات جديدة، بحيث تصدر إرادة ملكية لاحقة بإدراجها ضمن الأمور التي يجوز للمجلس بحثها خلال تلك الدورة.
إلا أن هذا التقييد لبعض أدوات الرقابة السياسية لا يعني توقف الوظيفة الرقابية لمجلس النواب أو تعطيلها بالكامل أثناء الدورة الاستثنائية. فالرقابة البرلمانية مفهوم أوسع من الاستجواب وطرح الثقة، ولا تقتصر على الوسائل التي يمكن أن تنتهي بإقالة الحكومة أو أي من وزرائها، وإنما تأخذ صورا وأشكالا أخرى، في مقدمتها اجتماعات اللجان النيابية ودعوة الوزراء والمسؤولين ومناقشتهم في القضايا العامة.
وفي هذا الإطار، تجيز المادة (67) من النظام الداخلي لمجلس النواب لكل لجنة نيابية أن تطلب من الوزير المختص الحضور أمامها لسماع رأيه في موضوع معروض عليها، وأن يقوم بتزويدها بالمستندات والوثائق والمعلومات المتعلقة بموضوع البحث. فإذا امتنع الوزير عن الحضور أو تقديم المعلومات المطلوبة، ترفع اللجنة الأمر إلى رئيس المجلس لعرضه على المجلس في أول جلسة تالية.
ويضاف إلى ذلك الأسئلة النيابية التي جرى توجيه العديد منها إلى الوزراء خلال الدورة الاستثنائية الحالية، والتي تعد مظهرا من مظاهر الرقابة البرلمانية، يقوم من خلالها النائب بالاستفهام من رئيس الوزراء أو الوزراء عن أمر يجهله في شأن من الشؤون التي تدخل في اختصاصاتهم. إلا أن التعامل معها يبقى مقيدا بطبيعة هذه الدورة، فلا يجوز مناقشتها تحت القبة أو تحويلها إلى استجوابات وفق أحكام النظام الداخلي لمجلس النواب، وذلك التزاما بأحكام الدستور.
وإلى جانب الأسئلة، هناك المذكرات النيابية التي يتبناها عدد من أعضاء المجلس بشأن قضايا عامة؛ فهي وإن لم ترتب بذاتها مسؤولية سياسية للحكومة، إلا أنها قد تدفعها إلى توضيح موقفها أو اتخاذ إجراء معين، بما يجعلها صورة من صور الرقابة السياسية غير المباشرة. ومن أمثلتها المذكرة النيابية التي جرى تبنيها في الدورة الحالية، والتي تدعو الحكومة إلى إعداد مدونة إرشادية تعنى بالذوق العام والسلوك واللباس اللائق في الأماكن العامة، وما أثارته من نقاش وردود فعل رسمية ومجتمعية.
فهذه الأدوات، وإن لم تكن من صور الرقابة البرلمانية التقليدية التي تفضي مباشرة إلى طرح الثقة بالحكومة أو بأحد الوزراء، إلا أنها تحمل مضمونا رقابيا، إذ تتيح للنواب متابعة السياسات الحكومية وإبداء الملاحظات بشأنها، بما يحول دون القول إن الرقابة البرلمانية تكون معدومة أو موقوفة خلال الدورة الاستثنائية.
إن حصر عمل مجلس الأمة بالموضوعات الواردة في الإرادة الملكية يجد مبرره في الطبيعة الخاصة للدورة الاستثنائية، التي تنعقد لغايات محددة تستوجب تركيز العمل البرلماني على موضوعات بعينها دون التوسع في غيرها. ومع ذلك، يمكن التفكير مستقبلا في تطوير الإطار الدستوري لهذه الدورات، بحيث يبقى العمل التشريعي مقيدا بالموضوعات الواردة في الإرادة الملكية، مع منح مجلس النواب مساحة أوسع لممارسة وظيفته الرقابية، باعتبارها وظيفة أصيلة تستند إلى مبدأ المسؤولية السياسية للحكومة أمامه.
وإلى أن يطرأ أي تعديل على الأحكام الدستورية القائمة، تبقى اجتماعات اللجان النيابية والأسئلة والمذكرات التي يتبناها أعضاء المجلس وغيرها من صور المتابعة النيابية أدوات رقابية متاحة خلال الدورة الاستثنائية، بما يؤكد أن الرقابة البرلمانية فيها لا تتوقف، وإنما تتغير أدواتها وحدودها بما يتفق مع طبيعتها الدستورية الخاصة.
* أستاذ القانون الدستوري في كلية الحقوق في الجامعة الأردنية
laith@lawyer.com
وقد جرى تفسير هذا القيد الدستوري في عدد من القرارات التفسيرية الصادرة عن المجلس العالي لتفسير الدستور، أهمها قراره رقم (4) لسنة 1995، الذي أكد أن اختصاص مجلس النواب في الدورة الاستثنائية ينحصر في الأمور الواردة في الإرادة الملكية السامية، وأنه لا يجوز له ممارسة وظيفته السياسية بطرح الثقة بأي وزير أو توجيه الاستجواب إليه إلا إذا تضمنت الإرادة الملكية هذه الأمور. وفي المقابل، أجاز القرار التفسيري لأعضاء المجلس تقديم عريضة خطية لجلالة الملك لإضافة موضوعات جديدة، بحيث تصدر إرادة ملكية لاحقة بإدراجها ضمن الأمور التي يجوز للمجلس بحثها خلال تلك الدورة.
إلا أن هذا التقييد لبعض أدوات الرقابة السياسية لا يعني توقف الوظيفة الرقابية لمجلس النواب أو تعطيلها بالكامل أثناء الدورة الاستثنائية. فالرقابة البرلمانية مفهوم أوسع من الاستجواب وطرح الثقة، ولا تقتصر على الوسائل التي يمكن أن تنتهي بإقالة الحكومة أو أي من وزرائها، وإنما تأخذ صورا وأشكالا أخرى، في مقدمتها اجتماعات اللجان النيابية ودعوة الوزراء والمسؤولين ومناقشتهم في القضايا العامة.
وفي هذا الإطار، تجيز المادة (67) من النظام الداخلي لمجلس النواب لكل لجنة نيابية أن تطلب من الوزير المختص الحضور أمامها لسماع رأيه في موضوع معروض عليها، وأن يقوم بتزويدها بالمستندات والوثائق والمعلومات المتعلقة بموضوع البحث. فإذا امتنع الوزير عن الحضور أو تقديم المعلومات المطلوبة، ترفع اللجنة الأمر إلى رئيس المجلس لعرضه على المجلس في أول جلسة تالية.
ويضاف إلى ذلك الأسئلة النيابية التي جرى توجيه العديد منها إلى الوزراء خلال الدورة الاستثنائية الحالية، والتي تعد مظهرا من مظاهر الرقابة البرلمانية، يقوم من خلالها النائب بالاستفهام من رئيس الوزراء أو الوزراء عن أمر يجهله في شأن من الشؤون التي تدخل في اختصاصاتهم. إلا أن التعامل معها يبقى مقيدا بطبيعة هذه الدورة، فلا يجوز مناقشتها تحت القبة أو تحويلها إلى استجوابات وفق أحكام النظام الداخلي لمجلس النواب، وذلك التزاما بأحكام الدستور.
وإلى جانب الأسئلة، هناك المذكرات النيابية التي يتبناها عدد من أعضاء المجلس بشأن قضايا عامة؛ فهي وإن لم ترتب بذاتها مسؤولية سياسية للحكومة، إلا أنها قد تدفعها إلى توضيح موقفها أو اتخاذ إجراء معين، بما يجعلها صورة من صور الرقابة السياسية غير المباشرة. ومن أمثلتها المذكرة النيابية التي جرى تبنيها في الدورة الحالية، والتي تدعو الحكومة إلى إعداد مدونة إرشادية تعنى بالذوق العام والسلوك واللباس اللائق في الأماكن العامة، وما أثارته من نقاش وردود فعل رسمية ومجتمعية.
فهذه الأدوات، وإن لم تكن من صور الرقابة البرلمانية التقليدية التي تفضي مباشرة إلى طرح الثقة بالحكومة أو بأحد الوزراء، إلا أنها تحمل مضمونا رقابيا، إذ تتيح للنواب متابعة السياسات الحكومية وإبداء الملاحظات بشأنها، بما يحول دون القول إن الرقابة البرلمانية تكون معدومة أو موقوفة خلال الدورة الاستثنائية.
إن حصر عمل مجلس الأمة بالموضوعات الواردة في الإرادة الملكية يجد مبرره في الطبيعة الخاصة للدورة الاستثنائية، التي تنعقد لغايات محددة تستوجب تركيز العمل البرلماني على موضوعات بعينها دون التوسع في غيرها. ومع ذلك، يمكن التفكير مستقبلا في تطوير الإطار الدستوري لهذه الدورات، بحيث يبقى العمل التشريعي مقيدا بالموضوعات الواردة في الإرادة الملكية، مع منح مجلس النواب مساحة أوسع لممارسة وظيفته الرقابية، باعتبارها وظيفة أصيلة تستند إلى مبدأ المسؤولية السياسية للحكومة أمامه.
وإلى أن يطرأ أي تعديل على الأحكام الدستورية القائمة، تبقى اجتماعات اللجان النيابية والأسئلة والمذكرات التي يتبناها أعضاء المجلس وغيرها من صور المتابعة النيابية أدوات رقابية متاحة خلال الدورة الاستثنائية، بما يؤكد أن الرقابة البرلمانية فيها لا تتوقف، وإنما تتغير أدواتها وحدودها بما يتفق مع طبيعتها الدستورية الخاصة.
* أستاذ القانون الدستوري في كلية الحقوق في الجامعة الأردنية
laith@lawyer.com