صحيح أن العالم، منذ عقدين على الأقل، يحاول تكريس عالم متعدد الأقطاب، وإنهاء هيمنة القطب الواحد بعد تفكيك الاتحاد السوفيتي. ورغم أن هذه التعددية لم تؤتِ أُكلها، ولم تتحقق بشكل مؤثر وحاسم، فغاب حلف وارسو وبقي حلف الناتو، وظهر الاتحاد الأوروبي بشكل مؤثر نسبيًا، لكن منظمة بريكس لم تستطع تغيير المعادلة الاقتصادية المعتمدة على هيمنة الدولار الأمريكي، فبقي تأثيرها السياسي غائبًا أو شبه غائب في أفضل الأحوال. وعلى الصعيد الثنائي والثلاثي، فإن الاقتراب الروسي الصيني لم يتجاوز الدعم السياسي، ولم يتحول إلى حلف عسكري نظرًا لعقيدة الصين غير العسكرية خارج حدودها، وهذا ينسحب على إيران والصين وروسيا، إذ بقي في إطار التنسيق الدبلوماسي والدعم السياسي، 'بيانات وتنديد'، دون منظومة اقتصادية/عسكرية ذات أثر في مجريات الأحداث.
الشرق الأوسط عانى ما عاناه بعد سقوط ثنائية القطبية، وكأن نوعًا من التوازن قد تلاشى، ومن هنا كان على كل دولة بناء سلسلة من العلاقات والاتفاقيات متعددة الأغراض، بهدف حفظ مصالحها وتحقيق أهدافها في التنمية والأمن بشكل متوازن. ولا شك أن هذا النهج حقق نجاحًا مرحليًا واضحًا، غير أن استفحال عوامل الصراع وميكانيزمات الصدام في الشرق الأوسط، خاصة منذ أحداث الربيع العربي وما تلاها، غيّر كثيرًا من قواعد اللعبة، فأصبحت المنطقة برمتها على صفيح ساخن، مع سلسلة انفجارات هنا وهناك، وسيولة في الأمن الوطني، وميوعة في الحدود السياسية لعدد من الدول، وبروز المشروع الإيراني التوسعي، واستغلال إسرائيل لهذا الواقع بالغ التعقيد، فتحركت خارج الحدود وداخل غزة والضفة، في محاولة لفرض واقع جديد يعلن موت اتفاقيات أوسلو، وهو ما زاد من تعقيد المشهد عسكريًا وجيوسياسيًا.
وقع اتفاق مكة بعد انتظار وترقب وإرهاصات سياسية وعسكرية عصفت بالمنطقة. وهو اتفاق بالغ الأهمية والتأثير، وله ثقله في الإقليم على غير صعيد. إن الأقطاب الثلاثة لهذا الاتفاق تعيد رسم التوازنات العسكرية في المنطقة بشكل حاسم، فالدول الثلاث ذات ثقل عسكري واقتصادي وبشري وجيوسياسي، وهي أيضًا، على الصعيد الفردي، مؤثرة في مجريات الأحداث إقليميًا وعالميًا؛ فمنها النووي، ومنها ما هو عضو رئيس في الناتو، ومنها من يحظى بقوة اقتصادية وموقع جغرافي استراتيجي وتسليح عالٍ.
ولا شك أن اتفاق مكة للدفاع المشترك طُبخ على نار هادئة، وليس ردة فعل آنية لحدث آني، وهو يفتح أبوابه أمام دول أخرى للانضمام إلى هذا الحلف الكبير.
لكن هل يفتح هذا الاتفاق أبواب الشرق الأوسط على أحلاف أخرى، ثنائية وثلاثية أو أكثر، وقد تكون أحلافًا متحالفة وليست متناقضة؟ هنا نسأل: بماذا تفكر مصر، ومن بعدها الأردن وسوريا؟ ماذا عن المغرب العربي؟
سبق أن ظهر مجلس التعاون العربي، وضم مصر والأردن واليمن والعراق، كما ظهر مجلس التعاون المغاربي، وضم ليبيا وتونس والجزائر والمغرب وموريتانيا في تسعينيات القرن الماضي، لكن ما لبثت الأحداث العسكرية والسياسية أن أخرجت هذه المجالس عن العمل، ولم يعد لها وجود.
لكن يبدو أن المنطقة تشهد تغيرات جذرية، أمام سؤال الوجود والمصير والمآلات المستقبلية، مما يجعل من الحالة الفردية، مهما تحصنت بالاتفاقيات والعلاقات، غير كافية لمواجهة ما تواجهه المنطقة من تحديات مصيرية كبرى. فأي ثنائيات وثلاثيات ستظهر، وأيها سيتلاشى؟ الصورة ستتضح أكثر قريبًا.
الشرق الأوسط عانى ما عاناه بعد سقوط ثنائية القطبية، وكأن نوعًا من التوازن قد تلاشى، ومن هنا كان على كل دولة بناء سلسلة من العلاقات والاتفاقيات متعددة الأغراض، بهدف حفظ مصالحها وتحقيق أهدافها في التنمية والأمن بشكل متوازن. ولا شك أن هذا النهج حقق نجاحًا مرحليًا واضحًا، غير أن استفحال عوامل الصراع وميكانيزمات الصدام في الشرق الأوسط، خاصة منذ أحداث الربيع العربي وما تلاها، غيّر كثيرًا من قواعد اللعبة، فأصبحت المنطقة برمتها على صفيح ساخن، مع سلسلة انفجارات هنا وهناك، وسيولة في الأمن الوطني، وميوعة في الحدود السياسية لعدد من الدول، وبروز المشروع الإيراني التوسعي، واستغلال إسرائيل لهذا الواقع بالغ التعقيد، فتحركت خارج الحدود وداخل غزة والضفة، في محاولة لفرض واقع جديد يعلن موت اتفاقيات أوسلو، وهو ما زاد من تعقيد المشهد عسكريًا وجيوسياسيًا.
وقع اتفاق مكة بعد انتظار وترقب وإرهاصات سياسية وعسكرية عصفت بالمنطقة. وهو اتفاق بالغ الأهمية والتأثير، وله ثقله في الإقليم على غير صعيد. إن الأقطاب الثلاثة لهذا الاتفاق تعيد رسم التوازنات العسكرية في المنطقة بشكل حاسم، فالدول الثلاث ذات ثقل عسكري واقتصادي وبشري وجيوسياسي، وهي أيضًا، على الصعيد الفردي، مؤثرة في مجريات الأحداث إقليميًا وعالميًا؛ فمنها النووي، ومنها ما هو عضو رئيس في الناتو، ومنها من يحظى بقوة اقتصادية وموقع جغرافي استراتيجي وتسليح عالٍ.
ولا شك أن اتفاق مكة للدفاع المشترك طُبخ على نار هادئة، وليس ردة فعل آنية لحدث آني، وهو يفتح أبوابه أمام دول أخرى للانضمام إلى هذا الحلف الكبير.
لكن هل يفتح هذا الاتفاق أبواب الشرق الأوسط على أحلاف أخرى، ثنائية وثلاثية أو أكثر، وقد تكون أحلافًا متحالفة وليست متناقضة؟ هنا نسأل: بماذا تفكر مصر، ومن بعدها الأردن وسوريا؟ ماذا عن المغرب العربي؟
سبق أن ظهر مجلس التعاون العربي، وضم مصر والأردن واليمن والعراق، كما ظهر مجلس التعاون المغاربي، وضم ليبيا وتونس والجزائر والمغرب وموريتانيا في تسعينيات القرن الماضي، لكن ما لبثت الأحداث العسكرية والسياسية أن أخرجت هذه المجالس عن العمل، ولم يعد لها وجود.
لكن يبدو أن المنطقة تشهد تغيرات جذرية، أمام سؤال الوجود والمصير والمآلات المستقبلية، مما يجعل من الحالة الفردية، مهما تحصنت بالاتفاقيات والعلاقات، غير كافية لمواجهة ما تواجهه المنطقة من تحديات مصيرية كبرى. فأي ثنائيات وثلاثيات ستظهر، وأيها سيتلاشى؟ الصورة ستتضح أكثر قريبًا.