فالكتاب لا يبدأ من رفوف المكتبات، بل من لحظة مفصلية في حياة أي أسرة؛ لحظة سماع تشخيص طفلها بالتوحد، لحظة تختلط فيها الأسئلة بالخوف، وتتزاحم فيها الهواجس أكثر من الإجابات، وربما كان بإمكان هذه الأم أن تحتفظ بتجربتها لنفسها، لكنها اختارت أن تحولها إلى رسالة، لأن الألم حين يُشارك يتحول إلى أمل، والخبرة حين تُكتب تصبح طريقا مختصراً لمن يأتي بعدها.
وأكثر ما شدني في عنوان الكتاب هو أنه لا يقول: “ربيت طفلي من جديد”، بل يقول: «ربّاني من جديد»، وبين العبارتين فرق كبير، فالعنوان يحمل اعترافاً صادقا بأن الأطفال ليسوا دائماً من يتلقون التربية، بل إنهم في كثير من الأحيان يعيدون تشكيل آبائهم وأمهاتهم، ويعلمونهم الصبر، والرحمة، والاحتواء، وإعادة ترتيب أولويات الحياة.
هذه الأم لم تكتب عن طفل يعاني من التوحد، بل كتبت عن أم تعلمت أن ترى العالم بعين طفلها، وتعلمت أن الإنجاز ليس بالضرورة شهادة أو جائزة، وإنما قد يكون نظرة، أو كلمة، أو تواصلاً لم يكن ممكناً بالأمس، إذ أدركت أن المقارنات لا تبني طفلاً، وأن لكل إنسان إيقاعه الخاص في النمو والتعلم، وأن أجمل ما يمكن أن يقدمه الوالدان لأبنائهما هو أن يؤمنوا بقدراتهم قبل أن يطالبوا الآخرين بالإيمان بها.
ففي زمن أصبحت فيه منصات التواصل الاجتماعي تعج بالنصائح السريعة، والمقاطع القصيرة التي تقدم التربية وكأنها وصفة جاهزة، يأتي كتاب كهذا ليذكرنا أن التربية ليست معادلة ثابتة، وأن كل أسرة لها ظروفها، وكل طفل له عالمه، وكل تجربة تستحق أن تُحترم، فلا أحد يستطيع أن يصف مشاعر أم تعيش تفاصيل يومية لا يراها الآخرون، ولا أحد يمكنه أن يختصر سنوات من الصبر في دقيقة أو منشور.
ولعل أجمل ما في التجارب الصادقة أنها لا تدعي الكمال، فهي لا تقول: “وجدت الحل”، بل تقول: “تعلمت وأنا أخطئ، ونضجت وأنا أبحث، ووصلت لأنني لم أتوقف”، وهذا ما يمنحها مصداقيتها، فالناس لا يبحثون دائماً عن الأبطال، بل عن أشخاص يشبهونهم، يخطئون مثلهم، ويخافون مثلهم، ثم يجدون طريقهم خطوة بعد أخرى.
وأعتقد أننا بحاجة إلى أن نقرأ مثل هذه الكتب، ليس لأن التوحد أصبح أكثر انتشاراً، وإنما لأن الوعي ما زال بحاجة إلى أن ينتشر أكثر، فما زالت بعض الأسر تواجه نظرات لا تفهم أبناءها، وما زالت هناك أحكام تُطلق على أطفال لمجرد أن طريقتهم في التواصل أو التعبير تختلف عن غيرهم، والفرق بين مجتمع يحتضن هؤلاء الأطفال، وآخر يعزلهم، يبدأ من المعرفة، والمعرفة تبدأ من قصة صادقة.
وما قامت به مؤلفة «ربّاني من جديد» يتجاوز حدود التأليف، لقد حولت تجربة شخصية إلى رسالة مجتمعية، ورسالة تقول إن الاختلاف لا ينتقص من قيمة الإنسان، وإن التشخيص لا يجب أن يكون هوية الطفل، بل مجرد جزء من رحلته، كما تؤكد أن الأسرة ليست فقط من تربي أبناءها، بل إن الأبناء، في كثير من الأحيان، يعيدون تربية أسرهم، ويعلمونهم دروساً لا تمنحها الجامعات ولا تكتبها الكتب.
خرجت من هذه القصة بقناعة بسيطة، لكنها عميقة، أن بعض الأطفال يغيرون حياة آبائهم بالكلمات، وآخرون يغيرونها بالصمت، وبعضهم يعلمنا الدرس في دقائق، وآخرون يحتاجون سنوات حتى ندرك أن الدرس كان أمامنا منذ البداية، وربما لهذا اختارت المؤلفة عنوان «ربّاني من جديد»، لأنه يلخص رحلة كاملة في ثلاث كلمات، ويذكرنا بأن التربية ليست طريقا باتجاه واحد، وإنما علاقة ينمو فيها الجميع.
ولعل أجمل ما يمكن أن يفعله كتاب هو أن يجعلك تعيد النظر في أفكارك، وأن تخرج منه وأنت أكثر فهماً للآخر، وأكثر رحمة بالاختلاف، وأكثر يقيناً بأن بعض الرسائل لا يكتبها المؤلفون، بل تكتبها الحياة نفسها.