كتاب

خلط الأوراق ينتج أوراقاً جديدة

حاولت إيران جاهدة خلط أوراق المنطقة، كأسلوب لإثارة الغبار في وجه خطوط المواجهة، ويتضح من مجريات الأحداث عبر الأشهر الماضية أن هذا النهج لم يكن وليد اللحظة، أو استجابة عشوائية لضربات أمريكية مؤلمة، وإنما هو سيناريو مُعدّ سلفًا، نُفذ ويُنفذ ضمن خطوات مرسومة، بغض النظر عمّن خطط وقرر ونفذ في منظومة الحكم الإيرانية. وهنا يبرز سؤال: هل فعلًا الساسة الإيرانيون على نقيض توجهات الحرس الثوري؟ أم أن لكلٍّ منهم دوره بموجب خطة عامة متوافق عليها؟ نقول ذلك لأن لعبة كسب الوقت تبدو إيرانية الملامح والغايات أكثر منها أمريكية الأهداف، لذلك تبرز مسارات خلط أوراق المنطقة عسكريًا بشكل جلي، والسعي إلى خلق إرباك سياسي من شأنه إضعاف الجبهة المناوئة لإيران وسياساتها التوسعية، وهي غاية لم تتحقق حتى اللحظة، بل على العكس دفعت بلدان المنطقة، وبالأخص دول الخليج والأردن، إلى حدود المواجهة العسكرية مع ميليشيات وأذرع تدين بالولاء لإيران. وفي السياق ذاته، نقرأ حادثة ميناء دمياط المصري، فالمسيّرة جاءت ضمن مسارات خلط الأوراق وإرباك المشهد.
ما هي الأوراق الجديدة؟ ولمصلحة مَنْ تمضي هذه الأوراق؟ سعت إيران، من خلال خلط الحابل بالنابل، إلى توسيع منطقة العنف، وضرب الاقتصاد العالمي، وإرباك خطوط المواصلات البحرية والجوية والبرية، مما يجعل المطالبة بوقف الحرب مطلبًا عامًا، وهذا أمر معلوم ولم يعد جديدًا. لكن الأوراق الجديدة لن تصب في مصلحة إيران، حتى وإن توقفت الحرب ووُقّع اتفاق ما مع أمريكا، فالمنطق في المنطقة تغير، وحالة الصبر والصمت العربي لن تبقى كما هي. وهذا لا يعني أن العرب مقبلون على حرب شاملة، لكن زجّهم في أتون المواجهة من قبل إيران دفعهم إلى تمتين قدراتهم العسكرية، والتحول من السكون إلى الحركة. وهنا ورقة جديدة بدأت فاعلة ومؤثرة، وهي ما بدأته السعودية بقصف مصادر المسيّرات والصواريخ في العراق، والمنفلتة من سيطرة الدولة العراقية. ويتعمق تأثير هذه الورقة عندما أبلغ الأردن الحكومة العراقية أنه سيضطر إلى مهاجمة مصادر النيران التي تستهدف الأراضي الأردنية وتهدد أمنه الوطني. وفي الوتيرة ذاتها أعلنت سوريا نيتها الرد على أي اختراق لأجوائها أو أراضيها، وهو ما وضع هذه الميليشيات ذات الولاءات الإيرانية في عين الخطر الوجودي، كما وضع الحكومة العراقية أمام استحقاقاتها القانونية والدولية.
إن دخول مصر، بشكل ما، على خط المواجهة مع هذه الميليشيات، يعمق جراح هذه الأذرع ويضعفها، ويجعلها عبئًا على الدولة الحاضنة، وهذا كله يصب في نهاية الأمر في التضييق على هذه القوى غير الوطنية وخنقها، مما يسهم في إخراجها من لعبة المواجهة ومحاولة فرض توازنات جديدة. أي إن ما حدث ويحدث دفع الدول العربية الفاعلة والمتضررة إلى العمل على تنظيف المنطقة من أي قوى منفلتة عن دولها، وتعمل بإمرة الحرس الثوري كأدوات تُستعمل وتُرمى عندما تفقد دورها، وهذا ما بدأ يؤتي أكله بشكل متسارع، وهي خطوة أساسية تأخرت قليلًا، من أجل بتر أذرع إيران، ومساعدة الدولة الحاضنة على بسط سيادتها، واستعادة قرارها كاملًا، مما يسهم مباشرة في خفض العنف والقضاء على الشر في