عربي ودولي

اتساع فجوة الخلافات بين واشنطن وتل أبيب

قراءة إسرائيلية: نتنياهو يخسر أوراق الضغط في البيت الأبيض

ترامب يسعى لاحتواء المنطقة.. وإسرائيل تراهن على التصعيد

لم يكن لقاء رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بالرئيس الأميركي دونالد ترامب في البيت الأبيض، مجرد لقاء بروتوكولي أو محطة ودية قبل الانتخابات الإسرائيلية المرتقبة، بل شكل، وفق تحليلات إسرائيلية، اختبارًا حقيقيًا لطبيعة العلاقة بين الطرفين ومدى قدرة نتنياهو على استعادة نفوذه في واشنطن بعد أشهر من التوترات والخلافات.

وبحسب هذه التحليلات، فإن عقد اللقاء لم يكن مدرجًا في جدول أعمال ترامب المزدحم، وجاء بعد موافقة إسرائيل على إدخال «قوة الاستقرار الدولية» إلى قطاع غزة، ما اعتبره مراقبون مؤشرًا على أن الإدارة الأميركية ربطت اللقاء بخطوات عملية تتعلق بالملفات الإقليمية.

ووفق صحيفة «يديعوت أحرونوت»، فإن وفاة السيناتور ليندسي غراهام أتاحت فرصة لنتنياهو لزيارة واشنطن، إلا أن الكاتب الدكتور كوبي باردا، المحاضر في كلية الدراسات متعددة التخصصات بمعهد حولون للتكنولوجيا والباحث في معهد سياسات الشعب اليهودي، قال إن عقد الاجتماع تطلب من نتنياهو تقديم تنازلات، من بينها دعوة المجلس الوزاري والموافقة على دخول القوات الدولية إلى غزة.

وأضاف باردا، أن البيت الأبيض أبدى انزعاجًا من محاولات إسرائيلية فرض اللقاء عبر تسريبات إعلامية، وهو ما دفع الإدارة الأميركية إلى تأجيل تحديد موعد الاجتماع حتى اللحظات الأخيرة.

ووصف المحلل أفي أشكنازي من صحيفة «معاريف»، أجواء اللقاء بأنها عكست حذرًا أميركيًا متزايدًا تجاه نتنياهو، مشيرًا إلى أن وجود عدد كبير من كبار مسؤولي الإدارة، بينهم نائب الرئيس جيه دي فانس، ووزير الخارجية ماركو روبيو، ووزير الحرب بيت هيغسيث، ورئيس وكالة الاستخبارات المركزية جون راتكليف، والمبعوث ستيف ويتكوف، حمل رسالة مفادها أن واشنطن لم تعد ترغب في منح نتنياهو مساحة واسعة للمناورة كما حدث سابقًا.

وفي الملف الإيراني، برز تضارب بين الرواية الإسرائيلية والموقف الأميركي، إذ قالت السفيرة الإسرائيلية لدى واشنطن يحيئيل حوتوفيلي، إن موضوع «جبل الفأس» لم يُطرح خلال اللقاء، في حين أكدت مصادر أمنية إسرائيلية لقناة «كان 11» أن التركيز الإعلامي على الموقع مبالغ فيه، وأنه لا توجد معلومات مؤكدة حول نقل إيران آلاف أجهزة الطرد المركزي المتطورة إليه.

وقال البروفيسور أبراهام بن-تسفي، المحاضر في جامعة حيفا والباحث في معهد سياسات الشعب اليهودي، إن أزمة الثقة مع إيران تمثل العامل الأساسي في توتر العلاقة بين نتنياهو والإدارة الأميركية، مشيرًا إلى أن «السيناريو المتفائل جدًا» الذي عرضه نتنياهو قبل الحرب حول إمكانية تحقيق نصر حاسم في إيران وتغيير النظام، تبين لاحقًا أنه غير واقعي، وكان نقطة تحول في العلاقة بين الجانبين.

وأضاف بن-تسفي أن إسرائيل تواجه تراجعًا في الدعم داخل الرأي العام الأميركي، بما في ذلك بعض الأوساط اليهودية والجمهورية، نتيجة المواقف والسياسات التي تتبناها حكومة نتنياهو.

من جهته، قال المحلل العسكري في «هآرتس» عاموس هرئيل، إن أجواء اللقاء كانت متوترة، وإن تصريحات ترامب عكست رغبة في إظهار استقلالية القرار الأميركي عن المواقف الإسرائيلية. وأكد أن ترامب «لا يتبنى نصائح نتنياهو، وبالتأكيد لا يتلقى منه أي توجيهات»، مشيرًا إلى أن التدخل الأميركي في الحرب على إيران تسبب في تعقيدات إقليمية لا تزال الإدارة الأميركية تحاول التعامل معها.

وتتركز الخلافات بين واشنطن وتل أبيب، وفق التحليلات الإسرائيلية، حول عدة ملفات، أبرزها قطاع غزة، حيث تشير المصادر إلى أن موافقة إسرائيل على دخول قوة استقرار دولية إلى مناطق محددة في القطاع كانت من الشروط المرتبطة بعقد اللقاء.

كما برز ملف لبنان، إذ نفى مكتب نتنياهو أن يكون ترامب طالب بانسحاب إسرائيلي من لبنان أو سوريا، فيما ذكرت قناة «كان 11» أن الإدارة الأميركية ترغب بانسحاب إسرائيلي إضافي من مواقع في جنوب لبنان، وأن السفير الإسرائيلي في واشنطن حمل خرائط مرتبطة بالوجود العسكري هناك.

وفي الإطار الإقليمي الأوسع، قال باردا، إن ترامب يحمل رؤية تهدف إلى إنهاء صراعات إقليمية طويلة وتحقيق اتفاقات جديدة في الشرق الأوسط، مشيرًا إلى أن الرئيس الأميركي يشعر بالإحباط من مواقف داخل الحكومة الإسرائيلية، لا سيما التصريحات والسياسات التي يرى أنها تعرقل خططه.

أما ملف بيع مقاتلات «F-35» لتركيا، فأشارت حوتوفيلي، إلى أنه لم يُناقش خلال اللقاء، رغم تصريحات ترامب السابقة بشأن إمكانية إتمام الصفقة، وهو ما اعتبره محللون مؤشرًا على تراجع قدرة إسرائيل على التأثير في بعض القرارات الأميركية المتعلقة بالمنطقة.

ويرى محللون إسرائيليون أن الانتخابات الإسرائيلية المقبلة تشكل عاملًا أساسيًا في حسابات نتنياهو، إذ يسعى إلى استخدام الملف الإيراني لتعزيز موقعه السياسي، بينما يفضل ترامب تأجيل أي مواجهة واسعة إلى ما بعد انتخابات التجديد النصفي الأميركية.

وقال أشكنازي، إن مشكلة نتنياهو تتمثل في أن تشرين الثاني المقبل سيأتي بعد الانتخابات الإسرائيلية، مشيرًا إلى وجود اختلاف في توقيت الأولويات بين الطرفين.

فيما اعتبر بن-تسفي أن واشنطن ترى أن نتنياهو قد يسعى مجددًا إلى دفع الولايات المتحدة نحو تصعيد عسكري يخدم اعتبارات داخلية وانتخابية إسرائيلية.

وفي السياق الإيراني، طرح المقدم عميت ياغور، الضابط السابق في شعبة الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية، تصورًا يقوم على أن الولايات المتحدة لا تسعى إلى تدمير إيران عسكريًا، بل إلى تغيير نظامها مع الحفاظ على مؤسسات الدولة والبنية التحتية.

وبحسب مجمل التحليلات، فإن لقاء البيت الأبيض لم يمثل تحولًا جذريًا في العلاقات الأميركية الإسرائيلية، بل كشف حجم الخلافات المتراكمة بين الطرفين، وتراجع قدرة نتنياهو على التأثير في قرارات الإدارة الأميركية مقارنة بالسنوات السابقة.

ويرجح محللون أن تواصل واشنطن في المرحلة المقبلة الاعتماد على الضغوط الاقتصادية والدبلوماسية تجاه إيران، مع إبقاء الخيار العسكري المحدود قائمًا، في وقت يسعى فيه ترامب إلى تجنب حرب واسعة قد تؤثر على حساباته السياسية.

أما مستقبل نتنياهو السياسي، فيبقى مرتبطًا بقدرته على تجاوز الضغوط الداخلية والخارجية، إذ تشير تقديرات إسرائيلية إلى أنه قد يضطر إلى تقديم تنازلات سياسية، بما في ذلك القبول بمسارات تفاوضية أوسع مع الفلسطينيين والسعودية، إذا أراد الحفاظ على دعم واشنطن.