تميل بعض الوحدات التنظيمية، مع كل تغيير في المرجع الإداري ، إلى إعادة رسم هيكلها التنظيمي وكأنها تبدأ من الصفر، فتتغير المسميات، وتدمج الإدارات، وتستحدث أقسام، وتُلغى أخرى، دون دراسة علمية أو مبررات تنظيمية واضحة. وكأن الهيكل التنظيمي أصبح انعكاساً لرؤية الشخص لا لحاجة المنشأة، وموضة إدارية تتبدل بتبدل الاشخاص، لا أداة إستراتيجية تحقق الإستقرار والكفاءة.
إن الهيكل التنظيمي ليس لوحة فنية يحق لكل إدارة إعادة رسمها وفق الذوق الشخصي، ولا مساحة لإثبات الحضور أو ترك بصمة شكلية. بل هو منظومة متكاملة تُبنى على تحليل دقيق للأهداف، والمهام ، وحجم العمل، وتوزيع الصلاحيات، وإنسيابية الإجراءات، بما يحقق أفضل أداء ممكن للوحدة الادارية.
ولذلك فإن أي تعديل على الهيكل التنظيمي يجب أن يسبقه سؤالان أساسيان: ما الأسباب الموجبة لهذا التغيير؟ وهل أجريت دراسة علمية تثبت أن الهيكل الحالي لم يعد يحقق أهداف الوحدة الادارية؟ فإذا غابت الإجابة الواضحة، أصبح التغيير مجرد إجتهاد شخصي قد يربك العمل أكثر مما يطوره.
والسؤال الأهم: من الذي يضع هذه الهياكل؟ وهل هو متخصص في التنظيمي الإداري، وإدارة الموارد البشرية، وتصميم الهياكل؟ أم أن الأمر يترك لاجتهادات فردية ورغبات شخصية؟ فبناء الهياكل التنظيمية علم قائم بذاته، له معايير ومنهجيات وخبراء، وليس قراراً إدارياً يُتخذ في إجتماع أو جلسة عابرة أو إستجابة لإنطباع شخصي.
والأخطر من ذلك عندما تصاغ الهياكل على مقاس الأشخاص، لا على الوظائف، فتنشأ وحدات لإرضاء هذا، وتلغى أخرى لإبعاد ذاك، وترفع مواقع أو تخفض وفق إعتبارات شخصية لا تنظيمية. عندها يفقد الهيكل التنظيمي رسالته، وتحول الى وسيلة لإدارة الأشخاص بدلاً من إدارة الوحدة.
إن البيئة المؤسسية الناجحة تحرص على إستقرار هياكلها التنظيمية، ولا تجري عليها تعديلات إلا عند وجود تغييرات حقيقية في طبيعة العمل أو حجم المسؤوليات أو متطلبات التطوير، أما كثرة التعديلات غير المدروسة، فهي مؤشر على غياب الرؤية المؤسسية، وتؤدي الى إرباك الموظفين، وتشتيت المسؤوليات، وإضعاف المساءلة، وإهدار الوقت والموارد.
ولا يعني ذلك أن الهياكل التنظيمية غير قابلة للمساس أو جامدة، بل هي قابلة للتطوير متى استدعت الحاجة، لكن التطوير الحقيقي يبدأ بدراسة، ويستند الى بيانات، ويشارك فيه المختصون، ويهدف الى رفع الكفاءة، لا إلى ترك أثر شخصي لمدير سيغادر يوماً ويبقى الهيكل التنظيمي بما فيه من آثار إيجابية أو سلبية.
فالوحدات الادارية لا تُبنى بالأمزجة، ولا تُدار بحدود الأفعال. ولا تُطور بتغيير الأسماء والمسميات، بل تبنى بالعلم، والتخطيط، والأختصاص، واحترام المنهج المؤسسي. وعندما يصبح الهيكل التنظيمي قراراً مهنياً مستقلاً عن الأشخاص، تكتسب الإدارات إستقراراً أكبر، وتصبح أكثر قدرة على تحقيق أهدافها، مهما تعاقب عليها من أشخاص.
ويبقى السؤال الذي لا يقل أهمية عن قرار التغيير نفسه: من يراجع القرارات المتعلقة بتعديل الهياكل التنظيمية؟ ومن يتحقق أن هذا التعديل إستند الى دراسة علمية وحاجة مؤسسية حقيقية، وليس الى إجتهادات شخصيةأو رغبة في ترك بصمة إدارية، ومن يحاسب عندما يتبين بعد فترة أن التغيير على الهيكلة لم يحقق أي قيمة مضافة، بل تسبب في إرباك العمل، وتداخل الصلاحيات، وإهدار الوقت والموارد.
إن القرارات المتعلقة بالهياكل التنظيمية يجب ألا تكون بمنأى عن الرقابة والتقييم والمساءلة، لأنها تؤثر في مستقبل الوحدات الادارية وكفاءة أدائها وأستقرارها، فكما يُسأل الموظف عن خطأ في تنفيذ إجراء بسيط، فمن باب أولى أن يخضع من يقرر إعادة تشكيل الوحدات تنظيمياً للمراجعة والمساءلة، وأن يكون ملزماً بإثبات الأسباب الموجبة والنتائج المتوقعة ، ثم تقييم ما إذا كانت تلك الاجراءات قد حققت أهدافها بالفعل. فالمساءلة ليست عفوية، بل ضمانة لحسن الادارة، وحماية للوحدة الادارية من القرارات الارتجالية التي قد تُتخذ اليوم، بينما تدفع ثمنها لسنوات.
الهيكل التنظيمي..قرار علمي أم موضة إدارية؟
11:37 29-7-2026
آخر تعديل :
الأربعاء