ولا تقتصر أهمية هذه المشاريع على حجمها أو قيمتها الاستثمارية، وإنما تمتد إلى ما يمكن أن تصنعه من حراك اقتصادي واسع. فالمشروع الوطني الكبير يفتح المجال أمام نشاط اقتصادي متكامل يشمل قطاعات الخدمات، والصناعة، والنقل، والتكنولوجيا، والتأمين، والتمويل، والتدريب، وغيرها من الأنشطة التي تنمو بالتوازي معه. وكلما كان المشروع مدروساً بصورة شاملة، ازدادت قدرته على تحفيز الاقتصاد الوطني وخلق قيمة مضافة تتجاوز حدود المشروع نفسه.
ومن هنا، فإن الفرصة الحقيقية تكمن في تعظيم الأثر المستدام لهذه المشاريع، بحيث لا يقتصر نجاحها على ما توفره من فرص عمل خلال مرحلة التنفيذ، بل يمتد إلى بناء قطاعات اقتصادية قادرة على توليد فرص عمل مباشرة وغير مباشرة لسنوات طويلة. فكلما ارتبطت المشاريع الكبرى بخطط تستهدف تنمية سلاسل التوريد، ودعم الشركات الوطنية، وتأهيل الكفاءات، ازدادت قدرتها على تحقيق قيمة اقتصادية مستدامة، بما يعزز النمو ويُسهم تدريجياً في خفض معدلات البطالة.
إن المرحلة المقبلة تستدعي إضافة بعد جديد إلى آلية التخطيط للمشاريع الوطنية الكبرى. فمن المهم أن ترافق دراسات الجدوى المالية والهندسية دراسات علمية متخصصة تركز على قياس الأثر التشغيلي المستقبلي لكل مشروع. أي أن نعرف، منذ المراحل الأولى، ليس فقط عدد الوظائف التي سيوفرها المشروع أثناء التنفيذ، وإنما أيضاً حجم فرص العمل الدائمة التي يمكن أن يخلقها بعد تشغيله، وعدد الشركات التي يمكن أن تنشأ لخدمته، والقطاعات التي ستستفيد من وجوده، والمهارات التي سيحتاجها سوق العمل خلال السنوات المقبلة.
كما أرى أن الجامعات الأردنية ومراكز الدراسات والبحث العلمي تمتلك فرصة مهمة للمساهمة في هذا المسار. فمن الممكن تشكيل فرق بحثية متخصصة تعمل بالشراكة مع الجهات الحكومية والقطاع الخاص لإعداد خرائط اقتصادية للمشاريع الاستراتيجية، تتضمن توقعات دقيقة لفرص العمل المباشرة وغير المباشرة، والتخصصات المطلوبة مستقبلاً، وسلاسل القيمة التي يمكن تطويرها حول كل مشروع. وبهذه الطريقة يصبح البحث العلمي جزءاً من عملية التنمية، وليس نشاطاً منفصلاً عنها.
ومن الأفكار التي تستحق الدراسة أيضاً تطوير مؤشر وطني يقيس الأثر الاقتصادي والتشغيلي للمشاريع الكبرى بصورة دورية. فلا يقتصر تقييم المشروع على نسب الإنجاز أو حجم الإنفاق، وإنما يشمل عدد الوظائف المستدامة التي وفرها، ونسبة مساهمة الشركات الأردنية في تنفيذه وتشغيله، والاستثمارات التي جذبها، والقيمة الاقتصادية التي أضافها للقطاعات المختلفة. فقياس النتائج بصورة علمية يساعد على تطوير السياسات وتحسين كفاءة الإنفاق العام، ويمنح صانع القرار أدوات أكثر دقة في تقييم التجربة والبناء عليها.
كما أن الربط المبكر بين المشاريع الوطنية وبرامج التعليم والتدريب المهني يمثل خطوة لا تقل أهمية عن المشروع نفسه. فعندما يتم تحديد المهارات التي ستحتاجها هذه المشاريع بعد خمس أو عشر سنوات، يمكن للجامعات والكليات التقنية ومراكز التدريب أن تبدأ منذ الآن بإعداد الكفاءات الوطنية القادرة على شغل تلك الوظائف. وهذا يضمن أن يكون الشباب الأردني هو المستفيد الأول من الفرص التي ستولدها هذه الاستثمارات، ويعزز المواءمة بين مخرجات التعليم واحتياجات سوق العمل.
ولا شك أن بناء اقتصاد أكثر قوة يحتاج إلى الصبر والاستمرارية. فالمشاريع الاستراتيجية لا تظهر آثارها الكاملة خلال أشهر، وإنما تحتاج إلى سنوات حتى تنعكس بصورة واضحة على معدلات النمو والتشغيل والاستثمار. لذلك فإن قياس نجاحها ينبغي أن يكون من منظور استراتيجي بعيد المدى، يأخذ بعين الاعتبار ما تؤسسه هذه المشاريع للمستقبل، لا ما تحققه في لحظتها الأولى.
أنا متفائل بأن الأردن يخطو اليوم في اتجاه اقتصادي واعد، يقوم على الاستثمار في المشاريع الكبرى، وتعزيز البنية التحتية، وتهيئة بيئة أكثر جذباً للاستثمار. ومع استمرار هذا النهج، ورفده بأفكار علمية تركز على تعظيم فرص العمل المستدامة، وتوسيع الأثر الاقتصادي غير المباشر للمشاريع، فإننا لا نبني طرقاً أو سككاً أو شبكات مياه فحسب، بل نبني اقتصاداً أكثر متانة، وأكثر قدرة على المنافسة، وأكثر قدرة على توفير الفرص للأردنيين. وقد تحتاج هذه النتائج إلى بعض الوقت حتى تكتمل، لكن ما يبعث على التفاؤل أن الأساس الذي يُبنى اليوم هو أساس اقتصاد ينظر إلى المستقبل، ويضع معالجة البطالة وتعزيز النمو في صميم أولوياته.
محامٍ وخبير قانوني