لم يكن خطاب جلالة الملك عبدالله الثاني أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة مجرد توصيف للأزمات التي تعصف بالعالم، بل حمل قراءة سياسية عميقة لطبيعة المرحلة التي يعيشها المجتمع الدولي، ووضع مفهوم «الانتباه» في قلب المسؤولية الدولية.
فالعالم، وفق الرسالة الملكية، لا يعاني فقط من كثرة الأزمات، وإنما من مشكلة أخرى لا تقل خطورة تتمثل في الانتقائية في التعامل معها، وما يترتب على ذلك من أزمات تطول، وانتهاكات تصبح مع مرور الوقت أمرا اعتياديا، وحقائق جديدة تفرض نفسها على الأرض.
الملف الفلسطيني كان في صلب الرؤية الملكية باعتباره النموذج الأوضح على كلفة إدارة الأزمات بدلا من حلها، فجلالة الملك أعاد التأكيد أن استمرار الصراع الفلسطيني الإسرائيلي لعقود لم يكن نتيجة غياب الحلول، بقدر ما كان نتيجة عدم اتخاذ القرار الدولي الكافي لإنهائه، محذرا من أن التعامل مع غزة والضفة الغربية كملفين منفصلين يؤدي إلى إغفال الصورة الأشمل، وهي مسار متكامل يهدد مستقبل الدولة الفلسطينية ويقوض فرص السلام العادل.
واللافت في الخطاب أن جلالة الملك لم يتوقف عند توصيف المأساة الإنسانية في غزة، بل انتقل إلى ما يجري في الضفة الغربية من توسع استيطاني ومصادرة للأراضي وتهجير وعنف، ليضع هذه التطورات في إطار سياسي وقانوني أوسع.
هذه القراءة حملت تحذيراً واضحاً من خطورة تحول الإجراءات التي توصف بأنها مؤقتة أو استثنائية إلى وقائع دائمة، بما يجعل الزمن نفسه أداة لتغيير الحقائق، ويضع المجتمع الدولي أمام مسؤولية تتجاوز إصدار البيانات إلى ضمان احترام القانون الدولي وتطبيقه.
أما الرسالة الأوسع، فتتعلق بأمن المنطقة ومستقبلها، إذ ربط جلالة الملك بين استمرار غياب الحل للقضية الفلسطينية وبين اتساع دائرة عدم الاستقرار الإقليمي، محذراً من أن سياسة فرض الوقائع على الأرض لا تتوقف آثارها عند حدود الصراع الفلسطيني الإسرائيلي.
كذلك اشار جلالته في خطابه عن التطورات في جنوب سوريا وأمن الحدود والمياه، ليؤكد أن الأردن يتعامل مع هذه الملفات باعتبارها قضايا أمن قومي، وأن الدبلوماسية الأردنية، رغم تمسكها بالحوار والسلام، تقوم في الوقت ذاته على حماية المصالح الوطنية وعدم السماح بفرض تهديدات جديدة على المملكة.
وفي المقابل، قدم الخطاب صورة للدور الأردني الذي يجمع بين التعامل مع الأزمات الآنية وبناء المستقبل، فالأردن كما أوضح جلالته، لا يفصل بين مكافحة الإرهاب وتهريب المخدرات وتعزيز القدرات الدفاعية من جهة، وبين بناء الروابط الاقتصادية والتجارية والتكنولوجية والانفتاح على المنطقة من جهة أخرى ، وهي معادلة تعكس محاولة المملكة الحفاظ على الاستقرار الداخلي والإقليمي، مع الاستمرار في أداء دور سياسي وإنساني في ملفات المنطقة، وعدم السماح للأزمات المتلاحقة بتعطيل مسار البناء والتنمية.
كما حمل الخطاب تأكيدا على ثوابت الأردن تجاه القدس والقضية الفلسطينية، من خلال مواصلة دعم صمود الفلسطينيين والأونروا، والتمسك بالوصاية الهاشمية على المقدسات الإسلامية والمسيحية والحفاظ على الوضع التاريخي والقانوني القائم فيها. وفي هذا الإطار، جاءت الرسالة الملكية واضحة في أن انخراط الأردن في الدبلوماسية والحوار ليس تنازلا عن المواقف والمبادئ، وأن الانفتاح على مختلف الأطراف لا يعني القبول بسياسات تتعارض مع القانون الدولي أو الحقوق المشروعة للشعوب.
وفي المحصلة، وضع جلالة الملك المجتمع الدولي أمام سؤال يتجاوز أحداث اللحظة: ماذا يفعل العالم عندما تصبح الأزمات متكررة إلى الحد الذي يفقدها تأثيرها على الرأي العام وصانع القرار؟ فالرسالة الأبرز في الخطاب أن السلام لا يمكن أن يبنى بالانتظار، والقانون الدولي لا يمكن أن يحتفظ بقيمته إذا أصبح تطبيقه انتقائيا، والقوة العسكرية لا تستطيع وحدها صناعة الاستقرار، وبينما تتنافس الأزمات على اهتمام العالم، جاءت الرسالة الملكية لتؤكد أن مسؤولية المجتمع الدولي لا تقاس فقط بما يختار التحرك بشأنه، وإنما أيضا بما يختار ألا يراه.